ثقافة

أرملة من الجليل” – محمد بكريّة _ عمر رزوق الشامي

أرملة من الجليل” – محمد بكريّة _ عمر رزوق الشامي
ألقيت ضمن برنامج “بين طيات الكتب”
********************
تندرج رواية «أرملة من الجليل» ضمن ما يمكن تسميته بالسرد الذاكروي – السيري الذي يشتبك فيه الذاتي بالجمعي، والحميمي بالتاريخي. فالنص لا يكتفي بتوثيق تجربة أمّ ترمّلت مبكرًا، بل يحوّل هذه التجربة إلى عدسة يُرى من خلالها مجتمع بأكمله في تحوّلاته، وهشاشته، ومقاومته الصامتة.

أولًا: العتبة الدلالية وبناء الرمز.

يحمل العنوان شحنة رمزية مكثفة. فـ”الأرملة” ليست حالة اجتماعية عابرة، بل مركز ثقل وجودي يدور حوله النص. أما “الجليل” فيعمل بوصفه فضاءً ثقافيًا وتاريخيًا، يتجاوز الجغرافيا إلى الهوية.
النص يرسّخ هذا البعد الرمزي من خلال ربط فقدان الأب بفقدان الشعور بالأمان. ففي أحد المواضع، يُصرّح الراوي بأن غياب الأب “يقشّط عنهم شعور الأمان والطمأنينة” ، وهي عبارة كاشفة تجعل اليتم ليس فقدًا فرديًا فحسب، بل حالة وجودية ممتدة تؤثر في التكوين النفسي للشخصية. بهذا المعنى، يمكن قراءة الأرملة بوصفها استعارة مزدوجة: استعارة للأم الفرد، واستعارة لأرض فقدت معيلها، لكنها ما زالت تقاوم.

ثانيًا: البنية السردية وتيار الذاكرة.

الرواية تقوم على تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) المكثف، حيث تتداخل الأزمنة عبر تداعي الذاكرة. فالحاضر (مرحلة شيخوخة الأم) يتقاطع باستمرار مع الماضي (سنوات الفقد الأولى، الأحداث السياسية، تفاصيل الحياة اليومية). يتجلى هذا بوضوح في مشاهد الكوابيس الليلية التي تتكرر، مثل مشهد اختفاء الأم المفاجئ، حيث يتحول الحلم إلى فضاء رمزي يعكس خوفًا طفوليًا متجذرًا لم يبرأ رغم تقدّم العمر.
هذه التقنية تجعل الرواية أقرب إلى السرد النفسي منها إلى السرد الحدثي التقليدي؛ إذ إن الحدث الخارجي غالبًا ما يكون محفّزًا لحدث داخلي أعمق.

ثالثًا: تمثيل الذاكرة الشعبية واليومي.

من أبرز مميزات الرواية عنايتها بالتفاصيل اليومية الصغيرة التي تتحول إلى وثيقة اجتماعية:
مشهد البابور وتصليحه
طقوس إعداد الطعام لجنود جيش الإنقاذ عام 1948
الحياة الزراعية والعمل في البطوف
هذه التفاصيل ليست زخرفًا واقعيًا، بل تؤدي وظيفة مزدوجة:
توثيق مرحلة تاريخية.
بناء مناخ ثقافي يعيد تشكيل الذاكرة الجمعية.
وهنا ينجح الكاتب في تجنب الخطابية السياسية المباشرة؛ فالحدث الوطني يحضر من خلال الحياة اليومية لا عبر الشعارات.

رابعًا: الشخصية المركزية بين الواقعي والأسطوري.

الأم في الرواية تُقدَّم بوصفها شخصية واقعية جدًا، بآلامها الجسدية، وأقراصها المسكّنة، وضعفها في الشيخوخة. لكن السرد يمنحها في الوقت نفسه بعدًا أسطوريًا عبر صبرها الاستثنائي في تربية عشرة أيتام بعد وفاة الأب عام 1968. هذا التوتر بين الواقعي والأسطوري يمنح الشخصية عمقًا سرديًا. فهي ليست بطلة خارقة، لكنها أيضًا ليست امرأة عادية تمامًا. إنها نتاج ظرف تاريخي ضاغط، تشكّلت فيه القوة من رحم الضرورة.

خامسًا: البعد النفسي – أثر الفقد في التكوين.

الرواية تتبنى منظورًا سيكولوجيًا واضحًا في تحليل أثر اليتم المبكر. فالراوي يعترف بأن فقدان الأب ترك أثرًا لم تمحه السنين، وأن الخوف تحوّل إلى مكوّن دائم في الشخصية. حتى الكوابيس المتكررة (اختفاء الأم، الظلام، الضياع)يمكن قراءتها بوصفها تمظهرًا لا شعوريًا لفقدان الأمان الأول. بهذا المعنى، الرواية لا تروي سيرة أم فحسب، بل تقدّم تحليلًا ضمنيًا لبنية الخوف في المجتمعات المأزومة.

سادسًا: اللغة بين الفصحى والمحكية.

يعتمد الكاتب لغة فصحى سردية واضحة، لكنه يُدخل المحكية الفلسطينية في الحوارات (“يمّا”، “هَيّاني هون”، إلخ) ، ما يمنح النص: صدقية واقعية، دفئًا عاطفيًا، إحساسًا بالحميمية العائلية.
هذا التناوب اللغوي ليس خللًا أسلوبيًا، بل خيار جمالي واعٍ يعكس طبيعة الحكاية الشفوية.

سابعًا: جدلية الفردي والجمعي

من اللافت أن الرواية تبدأ من الخاص جدًا (الأم – البيت – الغرفة – الكابوس)، لكنها تنفتح تدريجيًا على: القرية، الاجتياحات، الاستشهاد، أحداث 1948.
وبذلك يتحول النص إلى سردية مجتمع بأكمله، دون أن يفقد بؤرته الإنسانية.

ثامنًا: القيمة الجمالية للنص.

من منظور نقدي، يمكن تسجيل النقاط التالية:
نقاط القوة: صدق التجربة، عمق البناء النفسي، نجاح تقنية الاسترجاع، توثيق اجتماعي حيّ، شخصية نسوية مركزية غير نمطية.

ملاحظات منهجية:

أحيانًا يطغى السرد التقريري على المشهدية، بعض المواضع تميل إلى الإطالة الذاكراتية، لكن هذه السمات يمكن فهمها في إطار طبيعة النص السيري التأملي.

وفي المحصلة، «أرملة من الجليل» لا تكتب سيرة امرأة فحسب، بل تكتب سيرة معنى: معنى الفقد حين يتحول إلى وعي، ومعنى الصبر حين يصير شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة. إنها رواية لا تصرخ، لكنها تترك أثرًا طويل الأمد؛ لا تستعرض الألم، بل تصقله حتى يغدو قابلًا للقول.

قيمة النص تكمن في قدرته على تحويل اليومي إلى رمز، والخاص إلى أفق جمعي. فالأم هنا ليست شخصية روائية فحسب، بل بنية دلالية تتقاطع فيها الذاكرة والمكان والزمن؛ حضورها يتجاوز الجسد إلى الفكرة، ويتجاوز الحكاية إلى التأويل. ومن خلال هذا الاشتغال الهادئ على الذاكرة، ينجح الكاتب في أن يجعل من البيت استعارةً عن الوطن، ومن الترمل سؤالًا عن البقاء، ومن التربية فعلَ إعادة بناءٍ للمعنى في وجه العدم.

فنيًا، نحن أمام نص يثق بالاقتصاد اللغوي، ويعتمد الإيحاء بدل التصريح، ويمنح القارئ دورًا تأويليًا فاعلًا. وهذا ما يمنحه بعدًا جماليًا لا يقف عند حدود التوثيق، بل يتجاوزه إلى صناعة أثر إنساني ممتد.

لعل أجمل ما في هذه الرواية أنها تُذكّرنا بأن الأدب الحقيقي لا يُخلّد الضجيج، بل يُخلّد الصامتين الذين حملوا الحياة على أكتافهم، ومضوا. وأن البطولة، في أعمق صورها، ليست في الانتصار الصاخب، بل في القدرة على الاستمرار… رغم كل شيء.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى