السلوك الإجرامي الفردي والخلل الهيكلي في المجتمعات …
رؤية نقدية رؤية نقدية لما بعد " عصر إبستين " ...

بقلم : حمدى الكاتب
هندسة الاستغلال وسقوط الأصنام: قراءة في أبعاد قضية إبستين
لا تمثل قضية جيفري إبستين مجرد انحراف سلوكي لشخص ثري، بل هي “تشريح ” لنظام استغلالي متكامل الأركان. إن الفهم العميق لهذه القضية يتطلب تجاوز السطح الجنائي للغوص في سيكولوجية الحاجة، وقوة المعلومة، وهشاشة الرموز.
أولاً: سيكولوجية الاستغلال.. “صيد الحاجة” لا الجسد
إن المدخل الحقيقي لإبستين لم يكن غرف النوم، بل كان “غرف العوز المادي”.
استغلال الهشاشة: لم يستهدف إبستين القاصرات كأهداف معزولة، بل استهدف “البيئة الحاضنة”. لقد أدرك بسيكولوجيته المفترسة أن الفقر يكسر حواجز الدفاع النفسي لدى العائلات.
تزييف الدعم: من خلال المنح الدراسية والوعود بمستقبل باهر، تحول المستغل من “مجرم” إلى “ولي نعم”، مما خلق حالة من الارتباط المرضي (Trauma Bonding) تجعل الضحية وأهلها يشعرون بالامتنان تجاه الجلاد.
الدرس الاجتماعي: هنا تبرز أهمية التكافل الاجتماعي كصمام أمان. إن المجتمعات التي تترك فجوات طبقية هائلة دون شبكات أمان حقيقية، تقدم أبناءها -عن غير قصد- لقمة سائغة لمن يملك المال والنفوذ.
ثانياً: التكنولوجيا والعدالة.. سلاح الشفافية الرقمية
لقد كانت الغرف المغلقة والجزيرة المعزولة حصن إبستين المنيع، لكن “عصر المعلومات” هدم هذه الجدران.
انتصار البيانات: إن نشر ملايين الوثائق والرسائل الإلكترونية والمراسلات لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل كان ثورة رقمية ضد السرية. التكنولوجيا هنا عملت كـ “مجهر” كشف العفن الكامن في زوايا السلطة.
ديمقراطية المعلومة: لم يعد بإمكان أصحاب النفوذ التحكم في الرواية الرسمية للأحداث. الشفافية الرقمية حولت القضية من نزاع محلي في أروقة المحاكم الأمريكية إلى قضية رأي عام عالمي، حيث أصبح “المواطن الرقمي” رقيباً ومحللاً.
ثالثاً: القدوة والرمزية.. عصر “سقوط الأصنام”
لعل الدرس الأكثر قسوة وإلهاماً في آن واحد هو تحطيم هالة “القداسة” عن المشاهير والنخب.
تفكيك الصنم المادي: لسنوات، كان القرب من إبستين يُعد “تذكرة دخول” لنادي النخبة العالمي. وسقوطه كشف أن الثروة الطائلة والشهرة العالمية قد تكون ستاراً لأبشع أنواع الانحطاط الأخلاقي.
المساءلة العادلة: الدرس العالمي هنا هو أن “العدالة لا تنحني للنفوذ”. إن رؤية أسماء كبيرة من عالم السياسة والعلم والفن تُذكر في محاضر التحقيق، أعاد الثقة في مفهوم العدالة المجردة؛ فلا يوجد شخص “أكبر من أن يُحاسب”.
إعادة تعريف القدوة: هذه القضية تدفع المجتمعات (خاصة الشباب) نحو إعادة تقييم معايير القدوة؛ فليست القوة أو المال هي المعيار، بل الاستقامة الأخلاقية والاتساق مع المبادئ الإنسانية.
نحو مجتمع محصّن
إن قضية إبستين هي مرآة تعكس لنا ما يحدث عندما تغيب الرقابة الأخلاقية وتطغى المادية.
وإن التحصين الحقيقي للمجتمعات العربية والإسلامية يكمن في:
* سد ثغرات الحاجة: لكي لا يضطر أحد لبيع كرامته تحت وطأة الفقر.
* تعزيز الشفافية: الإيمان بأن الضوء هو أفضل مطهر للفساد.
* ترسيخ القيم: بناء أجيال تدرك أن قيمة الإنسان في جوهره الأخلاقي، لا في عدد أرقام رصيده البنكي أو صورته مع المشاهير.




