
القاهرة – عمرو عبدالرحمن – حصري لـ[آيسك نيوز | AISC News]
السطور التالية؛ تحكي سيرة بطل مسلم من الفاتحين العظماء، لا تقل إنجازاته عن البطل الفاتح العظيم / صلاح الدين الأيوبي.. لكن سيرته بقيت مغيبة عمدا من سجلات التاريخ الإسلامي والوعي القومي..؛
.
.. ففي أواخر القرن الخامس الهجري، كانت الأندلس تعاني أشد المعاناة من التشرذم والضعف. بعد انهيار الخلافة الأموية، تحولت البلاد إلى دويلات صغيرة متناحرة تحت حكم ملوك الطوائف، يتقاتلون فيما بينهم، ويتنازل بعضهم عن أراضٍ أو يدفع الجزية للنصارى في الشمال مقابل الهدنة المؤقتة.
في هذا الجو المشحون بالخطر، برز ألفونسو السادس ملك قشتالة كقوة جارفة. استغل تفرق المسلمين، فزحف بجيشه واستولى على **طليطلة** عام 478 هـ (1085 م)، العاصمة التاريخية للأندلس، في ضربة هزت أركان المسلمين وأيقظت في قلوبهم رعبًا عميقًا.
شعر **المعتمد بن عباد**، أمير إشبيلية، بخطورة الموقف. أدرك أن سقوط طليطلة ليس نهاية المطاف، بل بداية زحف شامل قد يبتلع الأندلس كلها. فما كان منه إلا أن أرسل الرسل عبر البحر إلى **يوسف بن تاشفين**، أمير المرابطين في المغرب الأقصى، يستغيث به ويستنجده. كتب إليه في لهفة ويأس: «إن لم تأتِ لنجدتنا، فسوف تسقط الأندلس، وستكون أنت التالي».
تردد يوسف قليلاً في البداية، ثم استشار علماءه وأجمعوا على أن النجدة واجب جهادي. فاستجاب للنداء، وعبر مضيق جبل طارق عام 479 هـ بجيش هائل من فرسان الصحراء المدربين، وآلاف المتطوعين، مصحوبين بقطعان من الإبل التي ستلعب دورًا مفاجئًا في المعركة. انضم إليه المعتمد بقوات إشبيلية، وجموع من غرناطة والمرية وغيرها، فتشكّل – لأول مرة منذ زمن طويل – جيش إسلامي موحد يجمعه هدف واحد: رد الغزو
في الجهة المقابلة، كان ألفونسو يحاصر سرقسطة حين بلغه الخبر. ترك الحصار فورًا، جمع جيشه الكبير من قشتالة وليون وممالك أخرى، عززه بفرسان مدربين ومشاة أشداء، واتجه نحو المواجهة الحاسمة.
دارت المعركة في سهل الزلاقة الواسع قرب بطليوس (باداخوز اليوم)، يوم الجمعة 12 رجب 479 هـ (23 أكتوبر 1086 م). اختير المكان لملاءمته مناورات الخيالة، ومنحه ميزة السرعة والحركة لفرسان المرابطين الصحراويين.
مع بزوغ الفجر، شن ألفونسو هجومًا خاطفًا، مستغلاً يوم الجمعة المقدس لدى المسلمين. اندفع فرسانه نحو الطليعة الإسلامية بقيادة المعتمد بن عباد. اشتد القتال، وتحمل الأندلسيون وطأة الهجوم الأول ببسالة نادرة. أصيب المعتمد بجراح بالغة، وعقرت تحته عدة أفراس، لكنه ثبت صامدًا كالطود، يقاتل حتى كاد يُستشهد. كادت خطوط الأندلسيين تنهار تحت الضغط القشتالي المتواصل.
لكن يوسف بن تاشفين كان يرقب المشهد بهدوء استراتيجي من مؤخرة الجيش، محتفظًا بقواته المرابطية الاحتياطية. انتظر اللحظة المثلى، ثم أمر فرسانه بالالتفاف السريع من الأجنحة، مستخدمًا أساليب حرب الصحراء: الرماح الطويلة، الخيالة الخفيفة، والإبل التي أرعبت خيول النقشالتين وأربكت صفوفهم. في الوقت نفسه، أرسل فرقة إلى معسكر ألفونسو الخلفي فأحرقوه وأبادوا حاميته، فدب الذعر في صفوف القشتاليين.
اشتد الضغط من كل جانب. أطلق يوسف وحدات النخبة «السود» – مشاة مدربة بصرامة – لضرب قلب الجيش القشتالي. انهار التنظيم القشتالى تحت الهجوم المزدوج من الأمام والخلف. تحول القتال إلى مذبحة دامية، سالت فيها الدماء حتى أصبحت الأرض زلقة (ومن هنا جاء اسم «الزلاقة»).
بحلول العصر، بدأ القشتاليون يفرون مذعورين. استمرت المطاردة حتى المساء، فأُبيد معظم الجيش، وقتل عشرات الآلاف، وأُسر الكثيرون. نجا ألفونسو بأعجوبة، مصابًا بطعنة نافذة في فخذه جعلته يعرج بقية حياته، وفر مع حفنة من رجاله تحت جنح الظلام إلى طليطلة.
كان النصر ساحقًا وعظيمًا؛ أعاد الأمل إلى قلوب أهل الأندلس، أوقف الزحف القشتالي مؤقتًا، وحمى مدنًا كثيرة من السقوط الوشيك. عزز مكانة يوسف بن تاشفين كقائد أسطوري، وأظهر قوة الوحدة الإسلامية حين تتحقق بإخلاص.
لكن الدرس كان قاسيًا أيضًا: لم يستثمر ملوك الطوائف هذا النصر في توحيد دائم، فاضطر يوسف لاحقًا إلى خلعهم وضم الأندلس تحت راية المرابطين.
ظلت **معركة الزلاقة** رمزًا خالدًا للصمود والجهاد، يرويها المؤرخون في «البيان المغرب» لابن عذاري وغيره من المصادر، شاهداً حياً على أن القوة ووحدة الصف والإيمان أسلحة النصر المبين بإذن الله.




