انفصام المثقف المصري بين هزائم الحاضر ومجد التاريخ
انفصام المثقف المصري بين هزائم الحاضر ومجد التاريخ
بقلم الكاتبة/ منى عبداللطيف
آيسك.. الفنون جنون مترنح بسفور على حافة كأس الحقيقة الغائبة ينقل شذاها لأعين الحاضرين وما من مبصر في زمان اللهو والتلاهي ومخيض الكَبد حول ساقية الحياة الكل معصوب العينين هائم في دائرة مفرغة ولا الأرض تشبع ولا البحر يجود بما ينفع فقط قطرات باتت لا تسمن ولا تغني من جوع فصارت الثقافة رفاهية والجدل عبث وويل لمن يشعرون وإن كان شعورهم بزلزال ارتجت على إثره الأرض نفسها فستجد عزيزي القارئ من يكفرهم ويتهمهم بالخروج من رحمة الله ونحن عن لغوهم معرضون ولكن وجب التنبيه وإن خرجت عن سياق الحديث…
اليوم سأحدثكم عن صراع الهوية والانتماء في الرواية العربية وسأختص بحديثي المثقف المصري الكاتب والفنان المهموم ببلده والذي يحمل على عاتقه واجب تنوير عقول جمع يأبى بكل ما أوتي من غفلة أن يرى…
في المقال السابق تحدثت عن انفصال الشارع المصري عن جذوره ومن ضمن أسباب هذا الانفصال التيار الوهابي الذي حرم الفنون بأنواعها حتى الخيال والنحت والرسم والقصص والموسيقى وكل متنفس يرتقي بالعقل البشري، وتذكرت تساؤل طرحه الدكتور هشام الفخراني في روايته الشاميرا (هل المصورون أشد عذابًا من الكفار يوم القيامة؟) وهنا نجد انعكاس لثورة الفنان على حالة النبذ والتكفير التي وُصمت بها الفنون على مر سنوات بل إنه يخاطب وجد القارئ بل الشارع المصري ويضع المتطرف في مواجهة لا مفر منها أمام عين الحقيقة وسخافة الادعاء،
وإن كنا سنتحدث عن مواجهة القارئ والصحوات الروائية فلن أستطيع أن أغفل عن رواية الشيخ والفيلسوف للدكتور شريف الشوباشي والذي وضع أمام أعين القارئ النقيضين وعزز روح الهوية المصرية وعكس انهزام رصانة العقل أمام ضجيج الجهالة والتطرف وحيرة المصري بينهما فلكل من الطرفين حجج وأدلة، العقل يجادل بالبرهان والمعقول ويسموا بالإنسانية، بينما التطرف يجادل بقدسية التأويل للنصوص والعنعنة وسلاحه الترهيب من النزوح عنه والترغيب بالعزف على أوتار الهو وشحذ حيوانيته ليطغى لهاثه على صوت المنطق،
وحين نتحدث عن المنطق والنماذج الحياتية المتنوعة وربط الماضي بالحاضر تحضرني رواية رحلة نمرود للكاتبين الدكتور سمير الشربيني والأستاذ الباحث في علم المصريات إسلام مكرم والذين نسجوا سيمفونية إنسانية ربطت الشخصية المصرية بماضيها وطبقوا مبادئ الماعت التي اعتمدها المصري القديم وساهمت في تعزيز الإنسانية وتطور الحضارة على شخصيات مختلفة تحيا في حاضرنا بالإضافة لمواجهة المغالطات التي لحقت بالحياة الدينية للمصري القديم الموحد أما عن التاسوع المقدس فهي تجليات مختلفة لقدرة الخالق الواحد،
وحين نتحدث عن التاسوع المقدس واستخدام رمزيته بطرق مختلفة في الرواية المصرية دعوني أحدثكم عن رواية أسطورة الدم والموت إيزيس وأوزوريس للمهندس عصام السيد البدوي حيث أعاد صياغة الأسطورة بصبغة إسلامية توحيدية عكس من خلالها أخلاق المصري القديم ومرونة من سبقونا وتسامحهم وتجلي نور الله والمغفرة في سلوكيات المؤمن الحق على نقيض أعوان ست، خُدام الشرير المتطرفون الدمويون الساعين خلف الصغائر، المساقين بالشهوات،
أما عن ست فلقد حوله أحد الكتاب لبطل في سلسلته الروائية روحاني وهو الدكتور أحمد عماد الدين الذي أعاد صياغة أدوار الثالوث وتعامل معهم كأرواح عليا توهب للمختارين،
ولو أردتم التطرق للأرض العليا فدعوني أحدثكم عن ثلاثيتي يودايمونيا التي بدأت من قبل بدء الخلق وصولًا إلى المستقبل وقد توقفت خلالها عند عدة فترات من وجهة نظري هي نقاط تحول في التاريخ المصري وهم فترة حكم أخناتون وما سبقها وما لحقها، وفترة التهجير، وفترة الربيع العربي وما تخللها من مؤامرات وأحداث خٌطط لها من سالف الزمان ومازالت مصر أبية أمام ما هو مسطور، وفترة كورونا بالإضافة لحديثي عن الإنسانية والبٌعد عن لب الإيمان والتشبث بالمظاهر الخداعة،
وإذا تطرقنا للمظاهر الخداعة وما أصابنا منها من أذى فعليكم بقراءة رواية مدعكة للكاتب الأستاذ عبد الرحمن بركات وهي سيرة ذاتية لشاب ولد لأب متطرف وتربى بين هؤلاء مرورًا بالتغيرات التاريخية التي غشت الوعي المصري وبدلت الخير الخالص ويسر الدين والعبادة لعبادات المنافقين الذين دخل كاتبنا عن طريق الشخصية الرئيسية بروايته والتي لم يعلن عنها حتى الآن لبيوتهم وأذاع قبحهم المختبئ خلف هالة الورع الزائف…
لأكمل أنا المشوار في روايتي الأخيرة سِفر العمي التي تحدثت فيها بلا استحياء عن فترة العدوان الثلاثي والمشترك الإبراهيمي وقبح التطرف وما يحدث في العالم وفلسطين ونهاية العالم إذا ما تحققت نبوءات اشعياء وسر الهرم الأكبر وعلاقته بما يدور ودور الشيطان الحقيقي كما أراه عبر نافذة العالم، وأثناء بحثي ساعدتني صديقة وهي المهندسة سوزان جودة في لقاء أحد المهتمين بالتاريخ المصري القديم وبالتحديد طاقة الهرم وهو المهندس رضا عكرش الذي ترك أعماله وأسرته في الخارج وتفرغ لدراسة طاقة الهرم بل وتوصل لأن التاسوع هو تجليات طاقية كونية استخدمها قدماء المصريون في تقدم حضارتهم كما شاركني عدة تجارب لم يصرح لي عن سرها بل فقط أبهرني بالنتائج التي فاقت التوقعات، وربما لو لم يقم ببعض منها أمامي لما صدقت، بالإضافة لمشاركتي العديد من بوابات المعرفة التي فتحت أمامي سبل لا حصر لها من البحث الذي أتمنى أن يسعفني العمر للتبحر فيه ولقد أصر المهندس رضا ألا أذكر اسمه على الشكر الخاص به داخل الرواية وهو أقل بكثير مما يستحق لكنه شجعني للكتابة عنه حين أعلن عن نفسه في حفل إطلاق كتابي بمنتدى مدينتي الثقافي الذي أدارته الناقدة القديرة الدكتورة نهال القويسني،
والتي كتبت مؤخرًا هي والدكتورة أمل درويش عن رواية إيرينديل نجمة الصبح للكاتبة الأستاذة جيهان سليم وأنا اقرأ حاليا تلك الرواية التي أخذتنا عبرها الكاتبة في رحلة بين الماضي والحاضر حملت على عاتقها تغيير المغلوط من المفاهيم ومشاركة القارئ معلومات تحمل بُعد إنساني لا أعتقد أن أحد غيرها تطرق له من قبل حيث تنوعت محطات الرواية بين عهد رمسيس الثاني ودولة المماليك والوقت الحاضر ومازلت اقرأ بتمهل للاستمتاع واكتشاف المزيد…
وإن أردنا التطرق للتاريخ الحديث خاصة خلال فترة ثورة ٥٢ وما سبقها وما لحقها من تغيرات، ورؤية الوجوه الحقيقية للشخصيات المصرية ومستعمر الازدواجية الذي ترسخ على مر السنوات في الوجدان المصري عليكم قراءة رواية مفتش مراجيح القاهرة للكاتب القدير الدكتور سامح الجباس ورواية الوشم للكاتبة القديرة رشا عدلي.
وختامًا كل تلك الأعمال تحمل عدة نزاعات وجودية في رحلات من الشتات والصراعات النفسية، وأزمة راسخة بين المفهوم المتعارف عليه للهوية وحقيقتها صاغها عقول مصرية حرة تمردت على الثوابت والنواميس في محاولة لتفسير أزمات الحاضر أو على الأقل تيسير التعايش معه بالعودة إلى الأصل…





