حاصبيا اللبنانية حكاية التاريخ والجغرافيا بتراثها ومعالمها الأثرية

الشرق الأوسط
لبنان
حاصبيا اللبنانية حكاية التاريخ والجغرافيا بتراثها ومعالمها الأثرية الشاهدة على أمم وحضارات
من أقدم مدن التاريخ، مدينة الكرم والجمال والعطاء، خالدة إلى جوار جبل حرمون، أقدس الجبال في التاريخ، عاصمة الحكم الشهابي في وادي التيم، عرفت العديد من الأمم والحضارات من الكنعانيين والفينيقيين إلى العبرانيين وسواها من الأمم التي عبرت منها وإليها، إنها بلدة حاصبيا الجنوبية العريقة بتاريخها وجغرافيتها وطبيعتها الخلابة وقلعتها الشهابية العريقة وبيوتها التراثية التي تختزل الزمن والعصور، بلدة العيش المشترك بين أبنائها، زيارتها متعة على مدار الأيام والفصول لاستكشاف أماكنها الطبيعية الخلابة وآثارها التاريخية والدينية والتراثية الضاربة في العمق.
موقعها وتسميتها
تقع حاصبيا في أقصى جنوب شرق لبنان على الحدود مع سوريا وفلسطين المحتلة، هي مركز قضاء حاصبيا الذي يضم حوالي عشرين قرية ويشكل جزءاً من محافظة النبطية، تتكئ عند أسفل السفح الغربي لجبل الشيخ وتبعد 120 كيلومتراً عن العاصمة بيروت وترتفع حوالي 750 متراً عن سطح البحر، وتمتد من نهري الليطاني والحاصباني حتى ارتفاع 2800 متر عند قمم جبل الشيخ، تحدها من الجنوب قرية عين جرف، ومن الشرق عين قنيا، ومن الشمال قرية ميماس، ومن الغرب قرية كوكبا، ويمكن الوصول إليها عبر طريق بيروت صيدا النبطية مرجعيون كوكبا حاصبيا، كما عن طريق شتورة، عميق، جب جنين، كامد اللوز، كفرمشكي ومرج الزهور.
اختلفت المعاني حولها تسميتها البعض اعتبرها مشتقة من «الحاصب» أي «البرد والثلج» لارتباطها بالمنطقة الجبلية الباردة شتاءً، أو قد تكون ذات أصل آرامي أو عبري مرتبط بالصخور والبرودة، ويُقال إنها تعني «مكان البرد أو الحصباء» أما تفسير الاسم بحسب المؤرخ أنيس فريحة فهو يعود إلى كلمة سريانية وتعني بلاد الفخار أو قرية الجرار.
كما يرجح البعض تسمية حاصبيا إلى رواية شعبية حول أمير كبرت ابنته وتأخرت في الزواج فحار بأمره إلى أن قال الناس «حاص بيّا»، أي تلبك والدها.
وكتب العميد أنطوان نجم في سرده عن حاصبيا بأن اسمها ذكر في العهد القديم في سفر يشوع بالتحديد، بأنها بلاد بني جاد، نسبة إلى النصب الديني المقام عند أسفلها وهو عبارة عن مذبح للإله جاد أو بعل جاد، ويضيف بأن المؤرخ الفرنسي رينيه داسو قال إن حاصبيا كانت مركزاً لعبادة البعل عند السوريين القدماء، حيث أقيم نصب كبير لبعل جاد، أو كاد، وهو نفسه بعل حرمون الذي أعطى الموضع المذكور إسمه العظيم، وعلى عهد بني يعقوب، دعيت حاصبيا ببلاد بني رأوبين، أحد أخوة يوسف الصديق، والذي لم يزل قبره مزاراً للتبرك في أسفل البلدة.
حكاية تاريخ
التاريخ لا يزال حاضراً في هذه القرية الوادعة والتي عرفت على بساط الزمن أمماً وحضارات متعددة من الكنعانيين والفينيقيين إلى العبرانيين ثم الآراميين والأشوريين والفرس واليونان، وبعدهم العرب والأنباط وهؤلاء أعطوا النبطية إسمها، ثم الرومان والبيزنطيين الواضحة جلياً آثارهم في أقسام السرايا الشهابية.
وذكر سفر يشوع بأن سكان بلاد بني رأوبين منعوا العبرانيين وملكهم شاوول من التقدم نحو منافذ حماه، كما أنهم استماتوا في الدفاع عن مقدساتهم وأهمها مذبح بعل جاد، أما بعض المؤرخين اليونانيين والرومان فيعتبرون بأن لبعل حرمون من القداسة في نفوس أهل هذه البلاد، ما لمدينتي القدس ومكة المكرمتين من القداسة في عصرنا الحالي.
ويقول المؤرخ إبن العبري إن النبي شيت إبن آدم لما شرّف إبنه إلى الحياة السعيدة التي كانت لأبويه في الجنة انقطع إلى جبل حرمون للعبادة والتنسُّك.
أما الكاتب غالب سليقة فيشير في كتابه «تاريخ حاصبيا وما إليها» إلى أن السيد المسيح لربما زار مع تلاميذه بلدة حاصبيا وقدسها في أثناء تنقلاته التبشيرية ووصوله إلى صيدا وصور وتعريجه على جبل التجلي المعروف بجبل حرمون.
وقدم العرب إلى وادي التيم، وقاعدته حاصبيا، التي ألحقها عمرو بن العاص، كما هي بسكانها على مختلف مشاربهم، بعدما انتزعها من البيزنطيين، إدارياً بمدينة دمشق.
ويُعتقد أن الصليبيين بقيادة الكونت ريمون دي سان جيل دخلوا حاصبيا في آذار/مارس عام 1099 قبل أن يتابعوا سيرهم إلى القدس.
ويذكر المؤرخ سليقة أنه سمع من بعض المشايخ أن حاصبيا كانت في البدء ديراً صغيراً مكان السرايا الشهابية وموقعه رأس البلدة، الأمر الذي يؤكد أن بعل جاد كان محل السرايا المذكورة. وبعدها حوّل الصليبيون حاصبيا إلى بارونية تتبع صيدا إدارياً وقلعة الشقيف عسكرياً، وكانت حاصبيا ولم تزل قاعدة وادي التيم، ولما كان هذا الأخير مهد دعوة التوحيد الدرزية وقبلة دعاتها ومقر العديد من معاضديها ومناصريها، استقرّت هذه الدعوة بعد لأي في حاصبيا لتغدو قبلة أتباعها وكعبتهم.
أما نقطة التحول في تاريخ بلدة حاصبيا فكانت مع انتقال الأمراء الشهابيين إليها منذ أيام السلطان صلاح الدين الأيوبي، إذ كانت تربطهما علاقة ود وصداقة، ولما ساد النفور بين السلطان في مصر وسيده الملك نور الدين محمود زنكي وكان مركزه في دمشق، خاف الشهابيون وقرّروا النزوح إلى مصر. ولما وقف الملك على حقيقة قرارهم وعدهم بمنزلة عالية عنده، فعدلوا عن الرحيل وجاءوا إلى أرض وادي التيم حيث استقروا في بيداء الظهر الأحمر، في حين كان القسم الجنوبي من الوادي يتبع بارونية حاصبيا الصليبية.
توجّس الصليبيون خيفة وخشوا سوء العاقبة فهرعوا إلى استقدام الرجال وجلب العتاد حتى حشدوا زهاء 50 ألف مقاتل، وكان الشهابيون بدورهم يستعدون للقتال. والتقى الطرفان في سهل الخان حيث دارت رحى معارك حامية الوطيس دارت فيها الدوائر على الصليبيين، وتمكن الشهابيون بعد عدة أيام من القتال الشرس من دخول حاصبيا واحتلال قلعتها وطرد فلول الصليبيين. ولما علم السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي تسلّم الحكم في دمشق، بالنصر الساحق، خلع على الأمير منقذ الشهابي العطايا السنية وولاّه على حاصبيا وجوارها إلى ما شاء الله.
أما بعد معركة مرج دابق عام 1516 وتسلّم العثمانيين الحكم في البلاد، أنعم السلطان سليم الأول على الأمير منصور الشهابي بحكم وادي التيم كما فعل مع الأمراء المعنيين في الشوف. وفي عام 1684 توفي الأمير موسى أمير حاصبيا تاركاً الأمير حيدر الذي يعتبر مؤسس الحكم الشهابي في الشوف خاصة بعد معركة عين دارة عام 1711 التي انتصر بها مع حلفائه من عائلة أبي اللمع.
وبقيت حاصبيا، بعد تسلم الأمير حيدر إمارة الشوف، ذات استقلال سياسي وإداري عن هذه الإمارة. وفي مطلع القرن العشرين أعلن عن قيام المملكة العربية برئاسة الملك فيصل ابن الشريف حسين في دمشق والتي انضوى وجهاء حاصبيا ومشايخها تحت لوائها. استمر هذا حتى أعلن في 31 آب/أغسطس 1920 الجنرال غورو، الحاكم الفرنسي في بيروت إنشاء دولة لبنان الكبير في حين أن حكم الأسرة الشهابية بدأ ينتهي حتى اختفى تماماً مع الوقت.
معالمها الأثرية الدينية
كل ما في حاصبيا يحكي عن تراثها الجميل ومعالمها الأثرية وهي تواصل تنوعها الديني من المسيحيين والدروز والمسلمين لتعكس التركيبة المتعددة الأديان في لبنان، فنراها خالدة إلى جوار جبل حرمون، أقدس الجبال في التاريخ، وحاضنة مزار رأوبين أحد أخوة يوسف الصديق أبناء يعقوب، ومحجٌّ لعبادة بعل جاد، إله الحظ عند الشعوب القديمة، وقبلة الموحدين الدروز في خلوة البيّاضة. وتمتاز حاصبيا بأنها رمز للتعايش والمحبة إذ يتشارك أهلها بجميع طوائفهم أفراح بعضهم البعض وأتراحهم، وهي تضم في حناياها ست كنائس للطوائف المسيحية كافة، وخلوات البيّاضة للموحدين الدروز، ويحيط بها نحو 47 خلوة وأربع خلوات بين أحيائها الداخلية، وجامعاً تزيّنه مأذنة بديعة للطائفة السنية.
أما الكنائس التي تضمها حاصبيا فهي كنيسة مار جرجس، كنيسة مارنقولا، كنيسة السيدة للروم الأرثوذوكس، كنيسة السيدة للروم الكاثوليك، وكنيسة مار جرجس للطائفة المارونية فضلاً عن كنيسة للبروستانت.
أما «خلوات البياضة» التي تمثّل المرجعية الدينية لطائفة الموحّدين الدروز، فتحتل المكانة الأولى بين أماكن العبادة الدرزية، لأنها تعتبر المركز الديني المشترك لكل دروز العالم قاطبة، وفي هذه الخلوات يشتغلون بنسخ الكتب المقدسة ويعملون على حفظ الإيمان بعيداً عن الكفر، كما يحتل مشايخها مرتبة هامة لأنهم يتميزون بتعمّقهم وتبصرهم في الروحانيات، وينقطعون عن مخالطة الناس إلا في زياراتهم الاجتماعية بين حين وآخر. وفي بداياتها كانت منطقة البياضة معزولة عن الناس ومخصصة للعبادة فقط، يزورها المؤمنون من مختلف المناطق والبلدان، بما في ذلك الأردن وفلسطين.
أسواقها ومعالمها السياحية والأثرية
تمتلك حاصبيا كل مقومات السياحة الأثرية وتنتشر فيها العديد من هذه المواقع وأبرزها القلعة الشهابية التي أعطت للمنطقة شهرتها، وهي ملك للأمراء الشهابيين وتشكل الجزء الرئيسي من المجمع الشهابي الذي يضم مجموعة من المباني المحيطة بساحة مركزية غير معبدة يبلغ طولها 150 متراً وعرضها مئة متر. وفي هذا المجمع الذي يغطي مساحة 20 ألف متر مربع، بيوت من القرون الوسطى ومسجد. وتتميز هذه القلعة بهندستها وتصميمها وبنقوشها وزخارفها، وأهمها نقش لأسدين مقيدين بسلاسل يستقبلانك عند المدخل، وتتألف القلعة من ثلاثة طوابق فوق الأرض وثلاثة تحتها. وبدأ التاريخ المعروف للقلعة مع الصليبيين، لكنه قد يعود قبل ذلك إلى حصن عربي بني كمركز مراقبة وحماية على أنقاض معبد روماني. وتمكن الشهابيون بعد عدة أيام من القتال الشرس من دخول حاصبيا واحتلال قلعتها وطرد فلول الصليبيين عام 1170، وأعيد بناء القلعة من قبل أصحابها الجدد حيث بنى الشهابيون الطابق العلوي الثالث لذا تكثر فيه القناطر والنوافذ العربية الطراز، والقاعات الفسيحة المزيّنة جدرانها بالرسوم والرخام المستورد والآيات القرآنية، ووسطها بنوافير المياه.
وإلى جانب القلعة الشهابية هناك أيضا برج الهبارية الروماني وعين حرشا (راشيا) وهما يعودان إلى الحقبة الرومانية.
بيوت حاصبيا التراثية
وأسواقها الشعبية
زيارة حاصبيا لا تكتمل إلا بالاطلاع على بيوتها التراثية وعلى أسواقها الشعبية، فكل ما فيها يحكي عن تراثها الجميل، ونبدأ بأسواقها، هناك سوق حاصبيا الذي يقع في وسط المدينة ويشكّل مجمعاً مميزاً للمباني المزينة بالقناطر المزخرفة والأبواب والنوافذ الخشبية العتيقة، وفي وسط هذا السوق الأثري هناك بعض العيون والينابيع التي لا تنضب صيفاً شتاء.
وتشتهر حاصبيا ايضاً بسوق الخان وهو في حرج صنوبر على تقاطع طريق حاصبيا كوكبا راشيّا مرجعيون، وبه قتل الأمير علي بن فخر الدين المعني الكبير، وتشرف عليه حالياً بلدة حاصبيا.
أما بيوت حاصبيا القديمة التراثية فهي تروي حكاية تاريخ وجغرافيا البلدة بكاملها، وتختزل الحقب والحضارات من البيزنطي للعثماني والشهابي وسواها من التي عبرت من حاصبيا، وتتسم بيوتها القديمة بطابعها التقليدي التراثي القروي بقرميد أحمر وحجارة حفرت أناقة العمارة اللبنانية بعقودها ونوافذها الخشبية وأسقفها الخشبية وجدرانها الطينية.
وإلى جانب البيوت التراثية القديمة التي تنتشر في حاصبيا شهدت البلدة بناء عمارات حديثة فوقها لتندمج الهندسة الحديثة بين الماضي والحاضر نظراً لما تشكله تلك المنازل من ذوق رفيع أبهر كافة الوافدين إلى البلدة.
وقيل عن أزقة حاصبيا الضيقة وبيوتها المتلاصقة وأدراجها العملاقة التي تأخذك من حي إلى آخر أكثر جمالاً، بأنها شبيهة بإيطاليا لما لهذا التشابه من ارتباط بالتاريخ السياسي للحكم في هذه المنطقة، قبل أن تتحول البلدة إلى عاصمة للحكم الشهابي، وفي ذلك الحين، كان الحكم للمعنيين، الذين لجأوا إلى إيطاليا لمواجهة الحكم العثماني، وعادوا ونقلوا معهم بعض التراث المعماري من تلك البلاد.
منتوجاتها وزراعتها وحرفيتها
تشتهر حاصبيا بأرضها المعطاء وبطبيعتها الخضراء وبحقولها وبساتينها وكرومها الغنية الملتفة بالخيرات من العنب وزهر الليمون والزيتون والحمضيات، فضلاً عن أشجار الكينا الشامخة على مدخل البلدة التي تنحني إجلالاً وترحيباً بكل الزوار الوافدين إلى البلدة.
كما تشتهر بمياهها العذبة وينابيعها الرقراقة فهي تعتبر ثاني خزان مائي في لبنان.
كما لا يمكن إغفال القطاعات الإنتاجية المهمة في البلدة ومنها تربية النحل التي يعتاش منها العديد من العائلات وهي مهنة متوارثة من جيل إلى جيل ناهيك عن الصناعات الحرفية المشهورة فيها وأبرزها صناعة الأحذية إذ كان أحد كبار حاصبيا يأتي بالجلد من منطقة حاصبيا ويوزعها على حرفيي هذه الصناعة في البلدة.
وكل من يزور حاصبيا يعود محملاً بالفرح والمحبة التي يغدقها أبناء البلدة على ضيوفهم بحسن ولباقة ضيافتهم وكرم أخلاقهم وجودهم.




