العالم

شبح اليمين القومى البريطانى يخيّم على «داوننج ستريت»

شبح اليمين القومى البريطانى يخيّم على «داوننج ستريت»

بدور خطاب 

اسيك.. تعيش بريطانيا فترة صعبة جدا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.وفى الوقت نفسه يعيش اليمين القومى البريطانى أزهى عصوره.ليس هناك تضاد بين الحالتين، بل على العكس: كلما تفاقمت أزمات بريطانيا، انتعش اليمين القومى البريطاني. وقد انتعش بالفعل لدرجة أن كل استطلاعات الرأى فى الأشهر الأخيرة تتوقع فوز حزب «إصلاح بريطانيا» اليمينى القومي، بزعامة نايجل فاراج، فى الانتخابات العامة المقبلة. إن حدث هذا، فإن كلمة «زلزال سياسي» لن تكون مبالغة.

 

 

فعلى مدار المائة عام الماضية، سيطر حزبان رئيسيان على الحياة السياسية البريطانية، وهما «العمال» و«المحافظون». فى مرات قليلة لم يحصلا على غالبية المقاعد، فشكلا حكومات ائتلافية، لكن دوما كان أحدهما فى السلطة بينما الآخر فى المعارضة.

اليوم يعانى الحزبان الكبيران حالة من الشحوب الأيديولوجى والتراجع الشعبي، وأزماتهما الداخلية باتت تسيطر على العناوين فى بريطانيا.

فحزب العمال الحاكم، برغم فوزه الكبير فى الانتخابات العامة لعام 2024، مازال يجد صعوبة فى التواصل مع الناخبين. كما لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية بدرجة ملحوظة تعزز آمال الحزب فى ولاية ثانية. وتعطى استطلاعات الرأى «العمال» فرصة ضئيلة للفوز فى الانتخابات المقبلة طالما ظل رئيس الوزراء كير ستارمر زعيما للحزب.

ستارمر سياسى مخضرم ورجل قانون ذكي، لكن القاعدة التى انتخبته هشة للغاية. فالأصوات التى انتخبت «العمال» تشكل غالبية ألوان الطيف السياسى البريطاني، إذ انتخبه اليمين واليسار، والفقراء والأغنياء، ومؤيدو «البريكست» ورافضوه، للتخلص من «حزب المحافظين» بالأساس، وليس قناعة ببرنامج «العمال».

وكان يمكن لستارمر أن يحافظ على تماسك هذا التحالف الهش الذى انتخبه لو كان أداء الحكومة أفضل، لكن المشكلة أن بريطانيا تمر بأزمات كبيرة.

طبعا ليس كل شيء فى يد ستارمر، فالعالم يمر بتحولات غير مسبوقة تُصعب التصدى لمشكلة الهجرة غير الشرعية والتعافى الاقتصادي. فمثلا، لجوء أمريكا إلى ورقة التعريفات الجمركية ضد أوروبا ساهم فى حالة من الركود فى الاقتصادات الأوروبية، التى تجد صعوبة فى تحقيق أى نسب نمو لائقة أو خلق وظائف جديدة. ويوجد فى بريطانيا حاليا نحو مليون شاب ليسوا فى سوق العمل أو مقاعد الدراسة، ويتلقى كثير منهم إعانات بطالة من الدولة.

ومع قتامة استطلاعات الرأى حول حظوظ «العمال» فى الفوز بالانتخابات المقبلة، طالما ظل ستارمر زعيما للحزب، بدأ أعضاء داخل الحزب التفكير جديا فى إزاحة ستارمر، خاصة إذا أخفق «العمال» فى تحقيق نتائج جيدة فى الانتخابات المحلية المقررة فى مايو المقبل. وبالفعل بدأ منافسو ستارمر، وعلى رأسهم وزير الصحة البريطانى ويس ستريتنج، فى بناء شبكات دعم داخل الحزب بانتظار لحظة الإطاحة لستارمر.

لكن المرشح الذى يخشاه ستارمر حقا هو عمدة مدينة مانشستر، آندى بيرنهام، وهو سياسى أقرب إلى الجناح اليسارى فى «العمال»، ويتمتع بشعبية وسط النقابات والشباب وفى المدن العمالية الشمالية فى وسط إنجلترا، التى يجب أن يفوز بها «العمال» من أجل الاحتفاظ بالسلطة. لكن لكى يترشح آندى بيرنهام لزعامة الحزب، يجب أن يكون أولًا عضوا فى البرلمان.

وقد تقدم بالفعل بطلب إلى اللجنة التنفيذية لحزب العمال للترشح لمقعد برلمانى استقال نائبه لأسباب صحية، لكن غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية، ومن بينهم ستارمر نفسه، رفضوا طلب بيرنهام، بدعوى أن الحزب لا يريد تحمل التكلفة المالية الباهظة التى ستنجم عن ترشيح عمدة جديد لمانشستر. قال بيرنهام إنه «شعر بخيبة أمل» من منعه الترشح للبرلمان، بينما دعا نحو 50 عضوا برلمانيا فى الحزب والعشرات من أعضاء مجلس اللوردات ستارمر إلى إعادة النظر فى القرار، الذى قد يُغرق «العمال» فى أزمة داخلية وحرب أجنحة، بينما بريطانيا نفسها غارقة فى الأزمات.

الأكثر ابتهاجا من كل هذه التطورات هو حزب «إصلاح بريطانيا» القومى اليميني، الذى يشهد تدفقا سياسيا وماليا غير مسبوق. فكثير من الممولين التقليديين لـ»المحافظين» باتوا الممولين الرئيسيين لـ»إصلاح بريطانيا». كما انشق نواب بارزون فى حزب المحافظين فى الأيام الأخيرة للانضمام إلى حزب «إصلاح بريطانيا»، وعلى رأسهم روبرت جينريك وسويلا برافرمان، وعلى الأرجح هناك أسماء بارزة أخرى فى الطريق.

الانشقاقات بحد ذاتها أنباء سيئة لحزب المحافظين، لكن المسوغات التى استند إليها جينريك وبرافرمان للانشقاق تضع علامات تساؤل صعبة أمام مستقبل الحزب. فكلاهما تحدث عن فقدان البوصلة داخل الحزب، وأزمة سياسات. وكلاهما قال إن حزب المحافظين بات «بلا هوية» سياسية. وربما يكون هذا صحيحا جزئيا، فكثير من السياسات التقليدية لحزب المحافظين، مثل خفض الضرائب، وأمن الحدود، وتشديد القيود على الهجرة، أخذها حزب «إصلاح بريطانيا» ومضى بها نحو أقصى اليمين، ما جعل خطاب «المحافظين» يبدو باهتا وجامدا.

وهذا يشكل أعمق أزمة هوية يواجهها «المحافظون» فى تاريخهم الحديث. فهناك جناح فى الحزب يريد أن يُبارى «إصلاح بريطانيا» فى التوجه نحو أقصى اليمين القومي، وجناح آخر يريد دمج الحزبين معا، وجناح ثالث يريد العودة إلى أرضية يمين الوسط التى جسدها سابقا رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون قبل مغامرة «البريكست».

وهنا يكمن السؤال الجوهرى لحزب المحافظين، الذى قد يحدد شكل السياسة البريطانية لأجيال. فالتحول أكثر إلى اليمين القومى قد يبطئ الانشقاقات على المدى القصير، لكنه يعمق الأزمة الوجودية لحزب المحافظين، كونه سيختزل الحزب فى حروب الهوية والعداء للمهاجرين والأجانب، ووهم النقاء الثقافي، مفترضا أن هذا الخطاب القومى سيحل أزمات بريطانيا الاقتصادية والاجتماعية. لكن واقع الحال أنه لن يحل شيئًا.

ففى فورة صعود اليمين القومى فى العالم، بما فى ذلك أوروبا وبريطانيا، هناك حالة من الشلل الفكرى حيال مواجهة هذا الصعود. والحزبان الكبيران فى بريطانيا، مثل كل الأحزاب الكبرى فى أوروبا، يعانيان من هذا الشلل الفكري، وهو شلل يعززه الخوف من شبح «إصلاح بريطانيا» الذى يخيم على «داوننج ستريت».

فـ»إصلاح بريطانيا»، الذى كان حزبا هامشيا، تحول إلى قوة سياسية جاذبة، خاصة فى وقت لم يعد فيه للانتماء الحزبى أو الأيديولوجى الأهمية التى كان يحظى بها منذ نحو خمسين عاما. فالتصويت فى بريطانيا كان «وراثيا»، أجيال من الأسرة نفسها تصوت للحزب نفسه على مدار عقود. هذا انتهى الآن لصالح تصويت تكتيكى يتغير باستمرار، وفقا لمواقف الأحزاب من قضايا مثل الهجرة، والركود الاقتصادي، وحالة الخدمات العامة. وبالتالى تحمل الأزمة الحالية للحزبين الكبيرين فى طياتها احتمالات إعادة تعريف المشهد السياسى فى بريطانيا من «الثنائية الحزبية»، أى التقسيم الواضح بين اليسار واليمين، إلى حالة من السيولة السياسية التى لم تعتد عليها بريطانيا من قبل.

شبح اليمين القومى البريطانى يخيّم على «داوننج ستريت»
شبح اليمين القومى البريطانى يخيّم على «داوننج ستريت»
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى