قلب الظلام الأديب البولندي جوزيف كونراد (غيتي)

قلب الظلام
الأديب البولندي جوزيف كونراد (غيتي)
“رابطة مجرمي الفضيلة”!
وما زلت أحن إلى قلب الظلام!
“قلب الظلام” عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفها، صاغها في شكل روائي، تميز ببناء محكم متعدد المستويات، التي تتقاطع وتتوازى وتفترق لتلتقي ثانية، من دون الإخلال بالنسيج الأساسي للعمل. بل على العكس، يزيد ذلك من إحكام وجمال بنائه الهندسي؛ فمع جوزيف كونراد لا توجد صدفة، ولا تنطق الكلمة عبثا.
والواقع أن من يقرأ الرواية قد يخرج بانطباع سريع وسطحي مفاده عنصرية صاحب السيرة، جوزيف كونراد؛ في حين أن المعايشة الشخصية لجغرافية وملابسات سيرة كونراد الذاتية في الكونغو، كما أسعدني الحظ لسنوات، تجعلك تقرأ في الرواية ولا تقتصر على قراءتها فقط، والفارق كبير بين القراءة في العمل ومجرد قراءته.
وبناء عليه، فإن كونراد لم يكن عنصريا، وإنما كان يصف عنصرية بطل الرواية، الذي مارس القتل بسادية، وشارك في نهب ثروات شعوب أخرى؛ فالزمن كله كان عنصريا، وأوروبا بأسرها كانت، وما زالت، عنصرية.
وقد نجح كونراد بموهبته، من خلال الاهتمام برسم التفاصيل، في دفع القارئ الأوروبي في زمنه للتساؤل: لماذا كنا حقراء لهذه الدرجة؟ ما الذي يجعل الإنسان الأبيض يظن أنه أفضل، وأن من حقه أن يذهب إلى بلدان بعيدة كي يستعبد أهلها، ويسرقهم ويقتلهم، ويسخرهم لخدمته بوحشية يعجز العقل عن تخيلها؟
آمن قادة النازية بتفوق وتسيد العرق الآري على بقية الأعراق، بمن في ذلك اليهود والعرب والغجر والسود والمعاقون وغيرهم من البشر
هناك دليل آخر على عدم عنصرية كونراد، ولكنه يتوافق مع معايير القرن التاسع عشر؛ حيث إنه لو حكم على كونراد بمعايير القرنين العشرين والحادي والعشرين فإنه سيكون شديد العنصرية. هذا الدليل يظهر في تلك العبارات التي وردت على لسان مارلو، الشخصية الرئيسية، واصفا بها ممارسات البلجيك، مثل: “مزبلة التقدم” و”رابطة مجرمي الفضيلة”.
وإذا كانت هناك عنصرية في موقف كونراد، فهي لأنه في الوقت الذي أدان فيه بحق عنصرية البلجيك، فإنه نفاها عن وطنه بالاختيار، بريطانيا، بالرغم من أن الأخيرة لم تكن أفضل من الأولى.
إحدى الإشكاليات التي يطرحها العمل هي أن السلطة المطلقة على جماعة من البشر لا بد أن تنتهي بصاحبها إلى السقوط في قلب الظلام وممارسة الظلم، وهو ما حدث مع شخصية الراوي، مارلو، الذي بدأ رحلته إلى الكونغو حاملا قيما إنسانية نبيلة، ولكن السلطة المطلقة التي منحت له على الأفارقة أفسدته، فارتكب جرائم بشعة، أوصلته إلى أنه، بالرغم من صدمته واستنكاره للإثم الذي ارتكبه زميله كورتيز بتأليه ذاته، فإنه في قرارة نفسه كان يحسد كورتيز على تجربته في التأله على البشر.
هناك إشكالية أخرى يطرحها العمل في شكل تساؤل: أتتولد العنصرية من النزعة الاحتلالية الإمبراطورية، أم إن العنصرية هي التي تدفع شعوبها نحو التوسع واحتكار السلطة على الآخرين من البشر؟
والواقع أن التركيبة النفسية للعنصريين تجعلهم، في غالب الأحيان، يكرهون بعضهم ابتداء، ولكنهم لاتقاء تدمير أنفسهم يوجهون هذه الكراهية للمخالف لهم في العرق أو الدين أو اللون، بل ويتلذذون بجرائمهم نتيجة هذه الكراهية.
فعلى سبيل المثال، آمن قادة النازية بتفوق وتسيد العرق الآري على بقية الأعراق، بمن في ذلك اليهود والعرب والغجر والسود والمعاقون وغيرهم من البشر. وزعم قادة النازية أن الألمان هم الآريون، وأنهم خلقوا لكي يحكموا العالم، زاعمين أن الآريين الأصليين يتميزون بطول القامة، والشقرة، ووسامة الطلعة.
لا أخفيكم سرا، بالرغم من مرور أعوام طويلة منذ تركت الكونغو بكل مآسيها، ما زلت أشعر بالحنين إلى “قلب الظلام”
الغريب أن قلة من قادة النازية هم الذين حملوا هذه الصفات؛ فجوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازية، كان قزما يعاني من العرج، وكانت بشرته داكنة. أما هيرمان غورينغ، قائد سلاح الطيران الأشهر، فكان مفرطا في السمنة، في حين كان رودلف هيس، نائب هتلر، هو الآخر داكن البشرة، حيث كان يلقب بالمصري لمولده ونشأته في الإسكندرية، ولقرب ملامحه من المصريين.
أما ملامح جوليوس سترايتشر، الملقب بقاتل اليهود، فقد كانت تشي بأنه يهودي، في حين كانت ملامح ولون بشرة هتلر أبعد من أن تكون بمواصفات الآريين كما صورها النازيون.
وبالرغم من تعرية السيرة الذاتية “قلب الظلام” الجرائم البشعة للرجل الأبيض، فإن عنصرية الأخير ما زالت حاضرة وبقوة، وإن اختفى من مشاهدها الطمع في عاج الأفيال؛ إذ ظهرت بدلا منه، بالإضافة إلى الموقع الإستراتيجي، ثروات أخرى مثل النفط والمعادن النفيسة، وغيرها من الثروات التي باتت هي إله الرجل الأبيض، كما صنع هذا الرجل، كورتيز، من نفسه إلها.
الشاهد أن “قلب الظلام”، لم تكن العمل الوحيد الذي تطابقت تفاصيله مع الواقع الذي نعيش في كثير من مناطق الحروب والصراعات التي عملت بها. ولعل “قلب الظلام” تكون باكورة لسلسلة “بين أدب الواقع والحياة”.
فأنا لا أخفيكم سرا، بالرغم من مرور أعوام طويلة منذ تركت الكونغو بكل مآسيها، ما زلت أشعر بالحنين إلى “قلب الظلام”.




