أخبار عرب 48العالمالعالم العربي

كيف يتحطم مشروع الشرق الأوسط الجديد علي الصخرة الفلسطينية …

الدكتور عادل عامر

الدكتور عادل عامر – يكتب – من القاهرة

ليست أول مرة يتم الترويج لمقولة السلام مع “إسرائيل” سيجلب الرخاء والتنمية للجميع!، وهي المقولة التي يروج لها الطرف الإسرائيلي و “شركاه ” في المنطقة، ومؤسسات أكاديمية أميركية ودولية.

فقد جرى الاحتفال الرسمي بتلك المقولة في المؤتمر الذي دعت الولايات المتحدة إليه بعد توقيع اتفاق “إعلان المبادئ” بين إسرائيل ومنظمة التحرير بفترة قصيرة، تحت شعار تأمين مساعدات مالية لتنمية مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني.

 

كما أعيد الاحتفال بالمقولة ذاتها في المؤتمر الاقتصادي العالمي للتنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي عقد في الدار البيضاء في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1994، وحضرته أغلبية دول المنطقة ومئات رجال الأعمال من دول المنطقة وخارجها، ونشطت الولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى الدولة المضيفة، في تنظيمه.

 

ونجد المقولة المذكورة أيضاً تشغل حيزاً مهماً من أعمال بعض لجان عمل المفاوضات المتعددة الأطراف. كما نجد مشاركة بعض الأطراف العربية، على مستويات رسمية وغير رسمية، في تسويق مقولة أن “السلام” الإسرائيلي – العربي سيجلب الرخاء والازدهار.

 

كون الفلسطينيين في طليعة مقاومة هذا المشروع، فهم يمثلون العقبة المقاومة الأساسية أمام تحقيق الأهداف الإسرائيلية الكاملة.

 

لمواجهة هذه الخطة، يجب على الفلسطينيين التركيز على عدة محاور أساسية:

 

  1. الوحدة الوطنية:

 

O التوضيح: الانقسام بين الفصائل الفلسطينية هو أحد أكبر نقاط الضعف التي تستغلها إسرائيل. يجب على الفلسطينيين تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد جهودهم تحت مظلة استراتيجية وطنية شاملة. الوحدة لا تعني فقط الاندماج السياسي بين الفصائل، بل تعني التعاون والتنسيق في كافة المجالات لتحقيق الأهداف الوطنية.

 

o كيف يتحقق: تحقيق مصالحة حقيقية بين حركتي فتح وحماس، والعمل على إنشاء حكومة وطنية موحدة تكون قادرة على تمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية. يجب أن تكون هناك آلية مشتركة لصياغة القرارات وتحقيق الأهداف الوطنية.

 

  1. تطوير سردية إعلامية دولية:

 

o التوضيح: الإعلام هو أحد أسلحة إسرائيل الفعالة في ترويج نفسها كضحية وتهميش النضال الفلسطيني. الفلسطينيون بحاجة إلى بناء سردية إعلامية مضادة قادرة على كشف الحقائق أمام المجتمع الدولي، والتركيز على الحقوق الفلسطينية وفق القوانين الدولية.

 

o كيف يتحقق: يجب الاستثمار في وسائل الإعلام الجديدة والمنصات الرقمية للوصول إلى جمهور عالمي، مع التركيز على بناء رواية موحدة تعتمد على الحقائق التاريخية والقانونية. يجب أن يكون للفلسطينيين حضور قوي في الإعلام الغربي ويجب تنظيم حملات دولية لتعزيز القضية.

 

  1. تعزيز المقاومة:

 

o التوضيح: المقاومة وبما فيها المقاومة الشعبية هي أداة فعالة لكسب تأييد العالم ضد الاحتلال الإسرائيلي. من خلال المظاهرات، والإضرابات، وحملات المقاطعة، يستطيع الفلسطينيون لفت انتباه المجتمع الدولي إلى جرائم الاحتلال.

 

o كيف يتحقق: تنظيم مظاهرات في المدن والقرى الفلسطينية، والعمل على بناء حركة مقاطعة دولية فعالة ضد إسرائيل، مثل حركة “BDS“. كما يجب تنسيق الجهود مع حركات التضامن الدولية لتوسيع نطاق الدعم.

 

  1. التعاون الدولي والاقتصادي:

 

o التوضيح: فلسطين بحاجة إلى تعزيز علاقاتها الدولية مع الدول التي ترفض مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، خاصة الدول الصاعدة مثل الصين وروسيا، إضافة إلى تقوية العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا التي تظهر دعمًا للقضية الفلسطينية.

 

o كيف يتحقق: يجب توسيع العلاقات الاقتصادية مع الدول التي تدعم الحق الفلسطيني، والبحث عن فرص استثمارية بعيدًا عن السيطرة الإسرائيلية. إضافة إلى ذلك، يتطلب بناء شبكة من الدعم السياسي والاقتصادي لتعزيز صمود الفلسطينيين في وجه الحصار والضغوط.

 

الفلسطينيون لا يواجهون الاحتلال فحسب، بل مشروعاً يستهدف تصفية قضيتهم واستبدالها بنموذج جديد يهمّش حقوقهم. المعركة طويلة، وتتطلب تنسيقاً وتكاملاً بين الجهود الداخلية والدولية. قدرة الفلسطينيين على الصمود والتكيف مع المتغيرات ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار هذه المعركة. وكما كانوا دائماً، يبقى الفلسطينيون في طليعة المقاومة، ورأس الحربة في مواجهة هذا المشروع الإقليمي والدولي بكل تحدياته.

 

تكفي نظرة سريعة إلى مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طرحه بيرس وآخرون لإدراك أنه مشروع لا يتوقف عند حدود إقامة “سوق شرق أوسطية”، بل هو في صيغته الإسرائيلية المتداولة مشروع لتأسيس نظام إقليمي جديد؛ مشروع يجد هدفه النهائي “في إنشاء مجموعة إقليمية من الأمم لها سوق مشتركة وهيئات مركزية منتخبة تتشكل وفق نموذج المجموعة الأوروبية”، على حد تعبير بيرس. وتأكيداً لذلك، فإن المشروع يتضمن إقامة نظام أمني إقليمي يتولى مهمة “تثبيت النظام السياسي الجديد في المنطقة على أرضية صلبة.”

 

كما يترافق تنفيذ المشروع مع بناء هيكل متكامل من الهيئات واللجان الإقليمية والمشتركة الفنية والاختصاصية والاقتصادية والتنسيقية، إلخ.أي أن تنفيذ المشروع يستدعي إقامة بنية أو بنى تنظيمية ترسم حدود النظام الإقليمي المقترح وتحدد وظائفه وتتوسع بتوسعه. ولذا فإن المشروع الإسرائيلي ينطوي على مراحل زمنية وسياسية – تنظيمية. فعلى سبيل المثال، يطرح بيرس تطبيق التسوية العربية – الإسرائيلية على مرحلتين: تنتهي الأولى بعقد اتفاقات سلام ثنائية (بين إسرائيل وكل دولة عربية على حدة) من خلال المفاوضات الثنائية؛ وتنتهي الأخرى بتطبيع العلاقات الإسرائيلية – العربية من خلال المفاوضات المتعددة الأطراف بصورة رئيسية. وتدخل عملية التطبيع في المشروع الإسرائيلي باعتبارها شرطاً ضرورياً لبناء النظام الإقليمي الجديد. كما ينطوي المشروع على تشييد اقتصاد إقليمي عبر ثلاث مراحل تتمثل في:

 

1) إقامة مشاريع تعاون مشتركة ثنائية ومتعددة الأطراف؛

 

 2) إشراك مؤسسات دولية في إنجاز مشاريع تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة؛

 

3) صوغ سياسة اقتصادية للمجموعة الإقليمية الشرق الأوسطية تترافق مع إقامة مؤسسات إقليمية رسمية وتطويرها.

 

إن كون المشروع الإقليمي الإسرائيلي ينظر إلى شرق أوسط يتشكل كنظام سياسي – اقتصادي – أمني متكامل لا يعني، بالضرورة، تهميشاً للبعد الاقتصادي للمشروع؛ فالتصور المذكور يعطي أهمية بالغة لعملية إعادة تنظيم الشرق الأوسط كوحدة اقتصادية عبر توليد “تغييرات أساسية في اقتصاداتها، بكل ما يستدعيه ذلك من إقامة مشاريع مشتركة، وبناء محطات طاقة وتحلية مياه وتأسيس بنية تحتية من المواصلات والاتصالات، وتطوير الزراعة والصناعة والسياحة، وفتح الحدود وتشجيع المنافسة.” وقد يكون لإبراز الجوانب الاقتصادية والتجارية والمالية، والحديث الدائم عن مشاريع مشتركة، والاستثمارات المحلية والأجنبية، والحدود المفتوحة لـ “البضائع والأشخاص والأفكار والتكنولوجيا”، حيثيات ووظائف معينة

 

(بغض النظر عن توفر وعي لهذه الحيثيات والوظائف أو غياب هذه الوعي)، منها: تسويق “السلام”، لا باعتباره أمراً فاصلاً بين مرحلتين سياسيتين في الأساس فحسب، بل باعتباره أمراً فاصلاً بين مرحلتين اقتصاديتين كذلك، وإذا كان صحيحاً اعتبار “السلام” (التسوية السياسية) أمراً فاصلاً بين مرحلتين تاريخيتين فإنه ليس هناك ما يجعل ذلك بالضرورة، أمراً فاصلاً على الصعيد الاقتصادي. إذاً، هناك تدخل “أيديولوجي” لتمرير واقع “سلام” سياسي ممكن بغلاف “رخاء” اقتصادي مرتقب.

 

*الخاتمة: التحديات والمواجهة المستمرة

 

مشروع “الشرق الأوسط الجديد” ليس مجرد خطة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، بل هو مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحويل المنطقة وتثبيت إسرائيل كقوة مهيمنة. يعتمد هذا المشروع على تقسيم الدول العربية وإضعافها، والسيطرة على مواردها الطبيعية، وإعادة صياغة التحالفات السياسية بما يخدم أهداف الغرب وإسرائيل.

 

لكن الفلسطينيين، الذين يمثلون قلب هذه المعركة، يمتلكون القدرة على مواجهة هذا المشروع من خلال الوحدة الوطنية، وتطوير رواية إعلامية قوية، وتعزيز المقاومة، وتوطيد علاقاتهم الدولية. فهم لا يقفون فقط ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل ضد مشروع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية واستبدالها بنموذج جديد للشرق الأوسط يهمش حقوقهم التاريخية.

 

المعركة طويلة وتحتاج إلى استراتيجيات متجددة تعتمد على التنسيق والتكامل بين الجهود الداخلية والدولية. ومع تزايد الضغوط والتحديات، فإن قدرة الفلسطينيين على الصمود والتكيف مع المتغيرات ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار هذه المعركة. الفلسطينيون، كما كانوا دائمًا، في طليعة المقاومة، ويظلون الرمح الذي يواجه هذا المشروع الإقليمي والدولي بكل تحدياته

 

 

الدكتور عادل عامر

 

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا

01118984318

01555926548

01024975371

01277691834

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى