محو «الأونروا» من القدس.. تسلسل زمني وأهداف عميقة

محو «الأونروا» من القدس.. تسلسل زمني وأهداف عميقة
على مهل عملت جرافات ثقيلة على تفكيك مباني الأونروا في حي الشيخ جراح، ومن دون أي ضجيج سياسي افترست الجرافات الضخمة المقر العام، تم ذلك على مدى ساعات طويلة لم تكن في وارد أحد أن يتدخل ليمنع الفعل التدميري المادي والرمزي لحضور أحد أبرز المؤسسات الأممية في مدينة القدس المحتلة.
وحسب بيان صادر عن الأونروا فقد «كان هدم المباني داخل مقر الأونروا، وهو موقع تابع للأمم المتحدة، في القدس الشرقية، سابقةً غير معهودة. لكنه يأتي ضمن نمط من التجاهل المتعمّد للقانون الدولي وللأمم المتحدة».
وطالب البيان بإنه «يتعين على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الالتزام بالقانون الدولي دون تأخير».
يظهر تسلسل زمني ما حل بمقر الأونروا في القدس الشرقية الذي يعتبر منشأة أممية، وبالتالي يتمتع بالحصانة وعدم الأهلية للانتفاع بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة التي تلتزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باحترامها دون انتقاص».
ويبدأ تاريخ استخدام المقر عام 1952 حيث استأجرت الأونروا مجمع مقرها الرئيسي في الشيخ جراح، القدس الشرقية من الأردن. حيث كان يفترض أن يبقى في حيازة الأونروا وحدها دون انقطاع حتى عام 1967، واستمر ذلك بشكل متواصل منذ احتلال إسرائيل للأرضي الفلسطينية.
بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير 2024 نفذ مستوطنون هجوم حرق متعمد استهدف مقر الأونروا في القدس الشرقية، حيث أضرم إسرائيليون النار في محيط المقر، ما اضطر الوكالة إلى إغلاقه مؤقتًا.
أما 28 كانون الثاني/يناير 2025 فقد أقرّ البرلمان الإسرائيلي تشريعًا يحظر عمليات الأونروا داخل الأرض الإسرائيلية ذات السيادة، وهو ما تفسره السلطات الإسرائيلية أنه يشمل القدس الشرقية المحتلة.
بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2025 قال المفوض العام لوكالة الأونروا فيليب لازاريني إن الحكومة الإسرائيلية صرحت علناً أن الهدف من إخلاء مباني الأونروا في الشيخ جراح هو توسيع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في القدس الشرقية المحتلة.
وفي 30 كانون الثاني/يناير 2025 دخلت القوانين المناهضة للأونروا حيز التنفيذ، وأخلت الأونروا مجمعها في القدس الشرقية حفاظاً على سلامة موظفيها.
وفي 8 نيسان/إبريل 2025 أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر إغلاق 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية. أما بتاريخ 28 أيار/مايو 2025 فرضت إغلاقًا دائمًا على 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية، ما أنهى عملية التعليم الوجاهي لحوالي 800 فتاة وصبي.
وبتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2025 اقتحمت الشرطة الإسرائيلية بالقوة مقر الأونروا في القدس الشرقية، وأزالت علم الأمم المتحدة، وصادرت ممتلكات. خلال ذلك وثقت الكاميرات الإسرائيلية عملية إلقاء علم الأمم المتحدة على الأرض.
وفي 29 كانون الأول/ديسمبر 2025 أقرّ البرلمان الإسرائيلي تعديلات على قوانين مناهضة للأونروا، تقضي بقطع المياه والكهرباء والاتصال عن منشآت الأونروا. كما تُخول هذه التعديلات السلطات الإسرائيلية مصادرة الأراضي التي تقع عليها مجمعات تابعة للأونروا في القدس الشرقية، بما في ذلك المقر الرئيسي.
أما في 12 كانون الثاني/يناير 2026 فاقتحمت السلطات الإسرائيلية مركز الأونروا الصحي في القدس، وأغلقته مؤقتًا لمدة 30 يومًا، وتم إخطار المركز بانقطاعات قادمة للخدمات الأساسية.
وبعد نحو أسبوع وتحديدا بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2026 بدأت القوات الإسرائيلية، برفقة جرافات، بهدم مبانٍ داخل مجمع المقر الرئيسي للأونروا في القدس الشرقية.
المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني صرح وقتها: «تتعرض الأونروا لهجمات متزايدة خلال فترة طويلة، وهو ما يهدد بفقدان أهمية دورها في غياب فعل من الدول الأعضاء».
يظهر هذا التسلسل الزمني المسار الطويل لمقر رئاسة الأونروا في الشيخ جراح في القدس المحتلة، وهو بمثابة معلم تاريخي، وسياسي.
وكالعادة، وبعد عملية الهدم أدانت 11 دولة «بشدّة» هدم مجمع المقر الرئيسي لوكالة «الأونروا» في القدس، ووصفته بأنه «عملٌ غير مسبوق» ضد هيئة أممية. وحمل البيان المشترك الذي أصدرته الدول الـ11 يوم الأربعاء الماضي، توقيع: بلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا واليابان والنرويج والبرتغال وإسبانيا والمملكة المتحدة.
جدّد وزراء الخارجية دعمهم «للمهمة التي لا غنى عنها» التي تضطلع بها «الأونروا» في تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين، مؤكدين أن الوكالة «يجب أن تكون قادرة على العمل بدون قيود».
وقال وزراء الخارجية في بيانهم «إن هذا العمل غير المسبوق ضد وكالة تابعة للأمم المتحدة من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة يمثّل أحدث خطوة غير مقبولة لتقويض قدرتها على العمل. ونحثّ حكومة إسرائيل على الالتزام بتعهداتها الدولية لضمان حماية وحرمة مقارّ الأمم المتحدة».
وحسب الخبير في قضايا شؤون اللاجئين سامي مشعشع، فإن ما تعرضت له مقرات الأونروا ومؤسساتها في القدس هو مسمار نافذ في نعش الوجود الفلسطيني في القدس. وهو خطوة نهائية في مخطط انهاء الاونروا، وخطوة مريرة في مسار الفتك بحق العودة.
ينشر سامي مشعشع صورة لما كان مكتبه قبل سنوات عندما كان يعمل في المقر العام، وتظهر الصور الباب قبل أن يقتحمه المتطرف بن غفير، ويقول: «هذا الباب كان يفضي لمكتبي داخل دائرة العلاقات الخارجية والإعلام والتواصل في الشيخ جراح، وهي دائرة شكلت جزءا أساسياً ومفصليا من مكاتب رئاسة الأونروا في الشرق الأوسط».
يكمل حديثه: «سقطت الأونروا في القدس، سقطت الأمم المتحدة، وهذه خسارة شخصية من العيار الثقيل، خسارة إنسانية وقانونية وسياسية ودبلوماسية لها ما بعدها بإنهاء وجود الأونروا كاملة وسقوط حق العودة».
يتابع حديثه: «لقد انتهى وجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس المحتلة عبر تفكيك بطيء ومدروس، تُنفَّذ حلقاته تواصلا على الأرض فيما يواصل بعض مسؤولي الوكالة التمسك بلغة إنشائية جوفاء عن الاستمرارية وإدارة المخاطر».
يكمل: «عملية قطع الماء والكهرباء عن مدارس الأونروا وعياداتها ومقارها في القدس (ومن ضمنها مقار ومدارس في مخيم شعفاط وعيادة الزاوية التابعة لها داخل أسوار القدس القديمة)، وبعد اخلائها لمقر الرئاسة التاريخي في الشيخ جراح، هو المسمار الأخير لوجودها في العاصمة».
يرى الباحث المقدسي زياد ابحيص أن المقدمات التي أوصلت إلى عملية الهدم بدأت في 2017 مع الاحتفال بالذكرى الخمسين لاحتلال الشطر الشرقي للقدس واقتراح منع الأونروا من العمل فيها كشكل من أشكال فرض «السيادة الإسرائيلية» على المدينة، وهو ما تواصل على شكل قوانين عامي 2024 و2025
ويرى الباحث المقدسي أن هناك تداعيات كثيرة يحملها هذا الهدم أبرزها أن الأثر الأهم لهذا العدوان هو معناه السياسي، إذ يشن الكيان الصهيوني حرب تصفية لقضية فلسطين بشراكة أمريكية، وهي مرحلة يمكن التأريخ لبدايتها من عام 2017 مع ولاية ترامب الأولى، وقد واجهها شعب فلسطين ومقاومته بسبع محطات من المواجهة الشعبية والحروب، خمس منها كان عنوانها القدس وواحدة منها كان عنوانها العودة، وجاءت حرب الإبادة في غزة في محاولة لفرض هذا الحسم والتشبث بتصفية الصراع بالإجرام والقوة العسكرية.
وأضاف: «لهذه التصفية ثلاثة عناوين رمزية هي تهويد القدس وإنهاء حق العودة وشطب الهوية الفلسطينية، وثلاثة عناوين ميدانية هي إبادة غزة وتهجير الضفة وتهويد الداخل المحتل عام 1948 بمزيج من التهجير وطمس الهوية، ولها وجهان إقليميان بضرب إرادة المقاومة وتصفيتها حيث وُجدت، وبفرض حالة إذعانٍ إقليمي».
ويخلص إلى أن شَطبُ الأونروا من القدس يقصد الاحتلال به ضرب العناوين الرمزية الثلاثة: فهو خطوة على طريق محاولة تهويد القدس، وهو خطوة على طريق محاولة شطب لحق العودة بشطب الوكالة التي ارتبطت بالنكبة وبتطلع الشعب الفلسطيني للعودة، وخطوة على طريق شطب خصوصية نكبة فلسطين بإجبار الأمم المتحدة على التكيف والتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر إطار آخر للاجئين غير الأونروا.
المسألة الثانية بحسب ابحيص مفادها أن ممارسة فعل الهدم يشكل خطوة مهمة على طريق تهويد القدس، إذ يمهد الطريق لتحويل هذه الأرض بمساحتها الإجمالية البالغة 42 دونماً مع الخدمات، والتي كانت دائرة الأراضي الإسرائيلية قد أعلنت في 10-10-2024 نقل ملكيتها للدولة الصهيونية تمهيداً لبناء مستوطنة عليها تخصص للمستوطنين المتدينين (الحريديم) تضم 1.440 وحدة سكنية.
ويرى أن هذا القرار يدخل في قلب أهداف التهويد السكاني لمدينة القدس، إذ يؤسّس كتلة سكانية استيطانية في المركز التاريخي لمدينة القدس الذي بقي عصياً على الاختراق الواسع طوال 58 سنة من احتلال الشطر الشرقي للقدس، ويسهم في تصفية أحد أهم وأبرز الأحياء التاريخية للمدينة، حي الشيخ جراح، الذي كان رمزاً للحضور السياسي الفلسطيني فيها، إذ سكنته النخبة التي قادت الثورات والمظاهرات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ثم بات الحي الدبلوماسي الذي استضاف القنصليات ومقرات المنظمات الدولية بدءاً من خمسينيات القرن الماضي.
اليوم، والحديث للباحث المقدسي، تزال منه (الحي) إحدى تلك المنظمات ويفرض في مكانها عمقٌ استيطاني سيحتل مساحة كبيرة من أرض ذلك الحي، وعلى مسافة 600 متر هوائي من «إسكان حي الشيخ جراح» الذي تجري محاولة تهجير أهله منذ 2008، وكان أحد أسباب انطلاق معركة سيف القدس في 2021.
أما ثالث الأهداف فيرتبط بعملية هدم المقر العام في الضفة الغربية، ما يجعل الهدم خطوة على طريق تقويض عملها في الضفة الغربية كاملة وليس في القدس فقط، وإذا ما وضع هذا إلى جانب هدم ثلاثة مخيماتٍ شمال الضفة الغربية وتهجير أهلها –مخيم جنين ومخيم نور شمس ومخيم طولكرم- وبالنظر للاقتحامات المتتالية لمخيمات عسكر وبلاطة والفارعة والفوار، وكذلك مخيم شعفاط في القدس الذي تعرض لحملة أمنية متواصلة على مدى أيام قبيل هذا الهدم، فإن سياسة الاحتلال لا تعود بحاجة إلى استنتاج، فالغاية هي شطب مخيمات الضفة الغربية، وشطب حق العودة انطلاقاً من مخيمات الضفة الغربية.
ويرى أن هذه خطوة من شأنها تجديد المخاوف، فهي تفتح الباب لمزيد من اقتحام المخيمات ومحاولة هدمها وإعادة هندستها لتصبح «أحياء» بلا خصوصية لجوء أو عودة، وهو خطر متنقل عبر الضفة الغربية ويمهد لما بعده في دول الجوار، كما أنه على مستوى القدس يعني أن الاحتلال قد يفكر قريباً بمحاولة شطب مخيمي شعفاط وقلنديا، وهي مخططات موجودة ومقرة أصلاً في «مخطط القدس 2020»، والذي جرت بلورة نسخته الأولى في عام 2004.
وحول التوقيت يرى أن اختيار التوقيت مسألة مهمة لا بد من التوقف عندها، فهدم المقر الرئيس للأونروا في الشيخ جراح في القدس، وتقويض رئاسة الأونروا في الضفة الغربية يأتي مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل «مجلس السلام»، في محاولة إسرائيلية لتوظيف هذا المجلس لتقويض الأمم المتحدة.




