مقال للكاتب والمخرج الايطالي ماريو مافيوي اليوم عن السفيرة منى أبو عمارة

مقال للكاتب والمخرج الايطالي ماريو مافيوي اليوم عن السفيرة منى أبو عمارة
عندما تسلّمت منى أبو عمارة منصبها كسفيرة جديدة لدولة فلسطين لدى إيطاليا في ربيع عام 2025، مرّ الخبر تقريبًا دون أن يلقى اهتمامًا من وسائل الإعلام الرئيسية.
لكن خلف هذا التعيين تقف شخصية يُتوقّع أن تُحدِث نقطة تحوّل في الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا. فمنى أبو عمارة تنتمي إلى جيل جديد من الدبلوماسيين الذين نشأوا في عالم معولم، حيث لم تعد القضية الفلسطينية تُدافَع فقط عبر الخطابات، بل بالكفاءة والإصرار والقدرة على التواصل على مستويات متعددة.
وُلدت عام 1979، وتمتلك خلفية أكاديمية في الشرق الأوسط وأمريكا الشمالية، وقد بنت مسيرة مهنية راسخة في العلاقات الدولية. قبل وصولها إلى روما، ترأست البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في كندا لمدة أربع سنوات، وهي دولة معقدة بالنسبة للدبلوماسية في الشرق الأوسط، حيث تتقلّب مواقفها غالبًا بين طرفي الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. في أوتاوا، عُرفت أبو عمارة بعزمها الهادئ، وقدرتها على التحدث بثبات حتى في أكثر اللحظات توترًا، ونهجها التواصلـي الذي يركز على لغة الحقوق بدلًا من الخطاب التصادمي. ففي مقابلة مع محطة كندية عام 2023، تحدّثت عن “الكرامة والحقوق والأمل” كأسس للسلام؛ مفاهيم موزونة متجذّرة في لغة الدبلوماسية والقانون الدولي.
ومنذ وصولها إلى روما في مارس/آذار 2025، بدأت الدبلوماسية الفلسطينية فورًا سلسلة من اللقاءات المؤسسية والمؤتمرات والحوارات العامة في إيطاليا. وفي أحد أول خطاباتها في نابولي قالت: “إيطاليا ليست مجرد شريك سياسي، بل مكان للحوار الإنساني. في زمن الجدران، مهمتنا أن نبني الجسور.” ويبدو أن أبو عمارة تسعى إلى إعادة إحياء الرابطة التاريخية بين إيطاليا وفلسطين، ليس بضجيج بل بثبات: لقاءات مع المؤسسات والجامعات والجاليتين الفلسطينية والعربية في إيطاليا، وشبكة علاقات مع جمعيات ثقافية ومنظمات غير حكومية.
رؤيتها واضحة: تنشيط الدبلوماسية العامة والثقافية، تعزيز التعاون البلدي بين المدن الإيطالية والفلسطينية، دعم مشاريع التنمية المستدامة، وتعزيز التفاهم المتبادل كأساس لحوار جديد. وفي خطاباتها تتحدث عن “دبلوماسية الكرامة”، مؤكدة أهمية أن يتم الإصغاء للفلسطينيين، لا مجرد الكلام نيابة عنهم. وقالت في مؤتمر بروما: “السلام لا يولد من المفاوضات، بل من القدرة على رؤية الآخر. نحن الشعب الفلسطيني نريد أن نُرى كما نحن: بشرًا، لا أرقامًا في الإحصاءات.”
في سياق دبلوماسي يتجه أكثر فأكثر نحو الاستعراض والمؤثرات، تختار منى أبو عمارة طريق الصبر والاتزان، الذي يتحول إلى منهج وأسلوب ورؤية سياسية. ومن هذه الزاوية، فإن مهمتها في إيطاليا ليست مؤسسية فقط، بل ثقافية أيضًا: إعادة وصل الخيوط، وترميم الثقة، وإعادة البعد الإنساني والشمولي للصورة الفلسطينية.
كما تمثل منى أبو عمارة خطوة مهمة في مسار الدبلوماسية الفلسطينية النسوية. فهي واحدة من قلة من النساء اللواتي يترأسن بعثة دبلوماسية في أوروبا، وحضورها يعكس تطورًا بطيئًا لكنه مهم في تمثيل المرأة في العالم العربي. وقالت: “كل امرأة فلسطينية تصل إلى موقع مسؤولية، لا تتحدث باسم نفسها فقط، بل باسم جيل اختار الكفاءة كشكل من أشكال المقاومة.”
منى أبو عمارة ليست مناضلة بقدر ما هي وسيطة محترفة تؤمن بقوة الخبرة الهادئة. ومعها، لا تتخلى فلسطين عن صوتها، بل تختار أن تضعه في يد من يعرف كيف يستخدمه باحتراف وذكاء.
Mona Abuamara




