ملفات إبستين والانهيار العربي
.. "ثبت بلا مجال للشك أن جيفري ابستين قد بدأ يحترف تسهيل الرذيله بكل ألوانها منذ زمن بعيد من باب العلاقات العامه والتأثير على أصحاب القرار" ...

بقلم: محمد شريف كامل
ما أن بدأت أجزاء مبتوره من ملفات التحقيق في قضية إبستين ترى النور إلا وانتفض العديد ممن أطلقوا على أنفسهم لقب “خبراء” و”محللين” كانوا سياسين أوحتى رياضين، أنتفضوا يحللون القضية ويستعرضون أسماء ذكرت في المراسلات، أسماء تدان وأخرى يهلل لها، وتناسى الجميع عن عمد أوإغفال أنهم يخوضون في أعراض شخصيات عامة قد تكون مدانه أو لا يكون لها أي علاقة لها بالأمر بالمره.
البعض من تلك الأسماء أُضيفت للائحه الشرف والبعض ظهر سقوطه ساطعاً وأخرين كان من المطلوب التشهيربهم عن غير حق، حتى أن بعض هذه الأسماء لم يثبت تواصل إبستين معهم ولكنهم أسمائهم وردت في قائمة التليفونات الخاصة به، وفي ذات الوقت بدأ البعض يدين الغرب المنحرف وكأننا ملائكة ذلك الزمان، وما نحن إلا متسولين على أبوب الغرب، بل ومنا من سعى للتعامل مع ذلك الكائن.
وليس هدفي من تلك الكلمات أن أُدين أو أُبرئ أي من الأسماء أو الشخصيات، ولكني أود هنا أن أُدلل على أننا أصبحنا جميعا مجرد كتله رخوه يحركنا الغرب يميناً أو يساراًُ كما يشاء، تاره بالبلطجه أو بالتهديد والوعيد وتاره بالسلاح وتاره أخرى عن طريق عملاء توجوا ملوكا ورؤساء رغم أنفنا، ويحركونا أيضاً بالإلهاء كما هو حالنا في متابعة قضية أبستين وتركيزنا على الجانب الجنسي في القضية.
لقد ثبت بلا مجال للشك أن جيفري ابستين قد بدأ يحترف تسهيل الرذيله بكل ألوانها منذ زمن بعيد من باب العلاقات العامه والتأثير على أصحاب القرار، وأن ذلك أمر معلوم منذ أول قضية له عام 2005، وإن كان قد بدأ إحترافه قبل ذلك، وقد أصبح إبستين منذ ذلك الوقت وحتى 2019 ضيف دائم على مراكز الشرطة وساحات المحاكم ، لذا لا يستطيع أي إنسان تعامل معه أن ينفي علمه بذلك، ولايستطيع أي ممن يدعون انهم “محللون” أن يدعي أن الملفات فاجئته.
وعندما ضُيق الخناق حوله وبدأت أسماء لامعه في مجالات السياسه والأعمال والفن والرياضه وغيرها تظهرعلى السطح غاب أبستين أوغُيب بإنتحاره في السجن عام 2019 ، بعد شهرواحد من إلقاء القبض عليه، لأنه قد أُستنفذ الغرض منه، وبالتالي لا قضيه، ولكن يبقى من بعده ملفات ممكن أن يظهر البعض منها للعلن حين يُراد ذلك.
إن الخوض في حياة ابستين الذي بدأ حياته مدرسا بلا شهادة تدريس ولكنه سُمح له بذلك حتى تم فصله في عام 1976، فأنتقل إلى عالم التمويل والأعمال متسلقا السلم، كيف ولماذا؟ لا أحد يعلم حقيقة تلك الفتره، بل ذلك أيضاً مثال جيد لإنحراف العالم عن كل القيم.
إن علاقة أبستين بروبرت ماكسويل وإبنته وبالموساد وبدول شرقية وغربية وعربية، علاقة ثابته بما لا يدعوا مجال للشك، ولكن لم يهتم غالبيه هؤلاء “المحللين” العرب بذلك الأمر وأنصب كل تركيزهم على بعض النساء العربيات لدورهم في توريد الساقطات، وكأن حياتنا كلها أصبحت مرتبطه بالجنس والفضائح الجنسية، أنا لا أنفي أن تلك الأدوات هي ما أسقطت العديد من الساسه وأضاعت كثير من ألأحلام، ولكنها في النهايه أدوات، أليس من الأولى أن نركز على ما يحاك بنا على المستوى العام بما انتجته هذه الأدوات.
وكما ذكرت فليس هدفي هنا أن أُدين أو أُبرئ أي من الأسماء أو الشخصيات، ولكن هدفي أن ندرك عدة حقائق، أساسها أن الأمر ليس في تلك الملفات المُفرج عن بعض الفتات منها، بل في أننا تركنا الأيدي القذره تتحكم فينا، بل ونداوم على الإستسلام لها اليوم بعد الأخر، وأو دهنا أن أستعرض بعض العناوين الرئيسيه لمأساتنا الحقيقيه.
– لقد داومنا على الركوع والخنوع أمام ذلك العالم الغربي الذي يدعى التحضرهو عالم لم يتغير ولم يحيد عن دوره منذ القرون الوسطى، حيث مارس ويمارس كل أنواع الإضطهاد والإستغلال، ولم يكن غريب عليه الإغتصاب والتهجير القسري وكل أشكال اللا آدميه في حملاته الإستعماريه، ومازالت تتحكم فيه قوى فاسدة تحركها مصالحها، ولذلك كانت شبكة علاقات ابستين متسعه، حيث مثل طريق لفتح الكثيرمن الأبواب في كل المجالات.
– أن الكثير منا يتخذ البعض من المشاهير كمثل أعلى، علما بأن الكثير منهم ليسوا إلا فاسدين أو تم أفسادهم لإستغلالهم حين الحاجه لذلك، وهو أسلوب معتاد تستخدمه أجهزة المخابرات الاستعمارية منذ قديم الأزل.
– أننا إنخدعنا بحديث ذلك العالم عن القيم، وما هو إلا حديث إنتقائي يستخدمونه حسب مصالحهم فيرفعون شعاراتها للإستهلاك المحلي أو لإخضاع الشعوب التي لا تسير في ركبهم ولا تسمح لهم بإستغلالها، ولذلك ظل إبستين طليق يمارس دوره في الإفساد، ثم يغيب هو وتظهر الملفات والأسماء المنتقاه حين الحاجه لها.
– أننا قبلنا بأن يقود العالم نظام فاشي مغلف بشكل ديمقراطي حر يقودنا إلى الفناء، يرأسه شخص يمارس كل أنواع البلطجة وثبت بالدليل القاطع سوء خلقه ليس عن طريق ملفات ابستين وحسب بل من تاريخ أسبق لذلك، وتعاملنا مع الأمر كأننا نواجه شخص معتوه وأصبح الأمربالنسبه لنا أداة للتسليه وتناسينا حقيقة المأساه أننا نُساق إلى الفناء، وكان ذلك صنف من أصناف الإنتحار البطيئ.
– أن منا من صفق لسقوط الكتله الشرقية مخدرين بأوهام مختلقه، فسقطنا في هوة عالم مختل توازنه حيث أصبح هناك قوى عظمى واحدة يسعى العالم بأجمعه لإرضائها.
إن كل ما ذكرته لا يصح أن يستخدم كمبرر لإعتبار أن الشرق العربي سوي، أو إننا أسوياء، فتلك الأمور لم تكن خفية عنا في أي وقت من الأوقات، ولكننا كنا غالبا نغمض أعييننا لأن الحقيقة قاسية ومواجهتها تخذلنا، وضعفنا هو أمراً لا نقدرعلى مواجهته، وذلك لاننا أسوأ من ذلك بإدعائنا النقاء وبإستسلامنا لهم.
إن جريمة الصمت إزاء كل ما واجهة ويواجهه العالم من مأسي تمر علينا يوميا بدون أن نبدوا أي إهتمام، من الإباده الجماعية في غزه، وتصفية القضيه الفلسطينيه، إلى إختطاف رئيس فنزويلا، والحصار الغير إنساني على كوبا، والرضوخ لبلطجة البيت الأبيض، ثم الموافقه على نزع أخر أسلحة المقاومه في لبنان وغزه، وتهديد إيران الدولة الوحيدة الباقيه والقادرة على أن تقول “لا” في الشرق الأوسط.
وما تلك إلا جرائم من صنعنا جميعا منذ قبولنا الخنوع والمزله بممارسة رذيله التطبيع السافر، ثم التصفيق لسقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الأخر بإرادة وأيدي الولايات المتحده، ثم التصفيق للجلاد وهو يتوج نفسه ملكا على العالم، كل ذلك يجعل “هتلر” يسعد بأنه لم يكن هو الأكثر إجراماً.
إني لا أرى مخرج من ذلك إلا بتكاتف كل شعوب العالم الثالث وما بقى من شعوب العالم الحر، وإلا فلتحللوا كما شئتم وليفرح كل حزب بما لديه، فجميعنا لن يبقى منا إلا نفاية وبقايا عفنه بعد أن تنتهي الضباع من إبتلاع ما صلح منا، وسيدفع أبنائنا ثمن ذلك لعشرات السنوات، بل وربما لمئات السنوات.




