منوعات

حين تقرر القوة لا القانون: فنزويلا بوصفها التطبيق الأحدث لمبدأ مونرو : ( 2- 3).

حين تقرر القوة لا القانون: فنزويلا بوصفها التطبيق الأحدث لمبدأ مونرو : ( 2- 3).

أراء
معتز فانوس
ما يجري في فنزويلا لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من العقيدة السياسية الأميركية التي حكمت تعامل واشنطن مع نصف الكرة الغربي منذ القرن التاسع عشر. فالأزمة الفنزويلية، في جوهرها، ليست خروجاً عن القواعد، بل عودة صريحة إلى أقدمها: مبدأ مونرو، حين تُفرض الهيمنة باسم الأمن، ويُشرعن التدخل باسم الحماية ( مبدأ رزوفلت ) .

أُعلن مبدأ مونرو عام 1823 تحت شعار «أميركا للأميركيين»، مقدّماً نفسه كدرع يحمي القارة من الاستعمار الأوروبي. غير أن هذا الشعار سرعان ما تحوّل من خطاب سيادي إلى أداة إقصاء، تُحدد من له حق الحضور في أميركا اللاتينية، ومن يُمنع من الاقتراب. ومع مرور الوقت، لم يعد المبدأ يمنع التدخل الخارجي بقدر ما احتكره.

في هذا السياق، تبدو فنزويلا اليوم نموذجاً مكتملاً لتطبيق محدث لمبدأ مونرو. فالعقوبات الخانقة، والعزل السياسي، والتهديد المستمر بالتدخل، لا تُمارس لأنها خالفت «الديمقراطية»، بل لأنها خرقت الخط الأحمر غير المعلن: الانفتاح على روسيا والصين داخل المجال الحيوي الأميركي.

النفط والسيادة: من الاستعمار القديم إلى الهيمنة الجديدة :

كما كانت أميركا اللاتينية في القرن التاسع عشر ساحة صراع بين الإمبراطوريات الأوروبية، تتحول فنزويلا اليوم إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، لكن بأدوات مختلفة. النفط، الذي يشكّل جوهر الصراع، يعيد تعريف السيادة نفسها: فالدولة الغنية بالموارد لا تُعامل بوصفها كياناً قانونياً، بل باعتبارها مخزوناً استراتيجياً يجب ضبطه.
إن السيطرة على نفط فنزويلا لا تعني مجرد مكسب اقتصادي، بل إعادة إنتاج لمنطق مونرو بصيغة طاقوية حديثة، تُقصي المنافسين، وتعيد رسم توازنات السوق العالمي، وتمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على التحكم بمصادر الطاقة وأسعارها.

مونرو المعاصر: منع الخصوم لا حماية الديمقراطية :

في القرن التاسع عشر، كان الخطر أوروبياً. اليوم، الخطر—وفق الرؤية الأميركية—روسي وصيني. والآلية واحدة :

منع القوى المنافسة من ترسيخ موطئ قدم في «الحديقة الخلفية»، حتى لو تطلّب الأمر خنق دولة اقتصادياً أو دفعها إلى الانهيار.

الديمقراطية، في هذا السياق، تتحول إلى خطاب وظيفي، يُستدعى عند الحاجة، ويُهمّش حين تتعارض نتائجه مع المصالح الاستراتيجية. وهكذا، يصبح مبدأ مونرو أداة انتقائية تُفعَّل ضد الخصوم، لا قاعدة عامة تحكم العلاقات الدولية.

روسيا والصين في اختبار مونرو :

تعامل روسيا الحذر مع الأزمة الفنزويلية يعكس إدراكها لحدود المواجهة داخل مجال تعتبره واشنطن خطاً أحمر تاريخياً. فغياب العمق العسكري الروسي في فنزويلا يجعل من المواجهة مغامرة غير محسوبة، ما يدفع موسكو إلى الاكتفاء بإدارة الخسائر.

أما الصين، فترى في فنزويلا اختباراً غير مباشر لمستقبل نظام دولي متعدد الأقطاب. فهي تدرك أن نجاح الولايات المتحدة في فرض إرادتها داخل هذا المجال سيشكّل سابقة قد تُستعاد لاحقاً في مناطق أخرى، من بحر الصين الجنوبي إلى تايوان، حيث يُعاد تعريف «النفوذ المشروع» بالقوة لا بالقانون.

سابقة خطيرة لعالم ما بعد القواعد :

ما يجعل فنزويلا خطرة ليس فقط مصيرها، بل ما تمثله من شرعنة متجددة لمبدأ مونرو في عالم يُفترض أنه تجاوز منطق مناطق النفوذ. فإذا قُبل أن تُفكك دولة تحت ذريعة حماية الأمن الإقليمي، فإن ذلك يفتح الباب أمام :

إعادة تقسيم العالم إلى مجالات حيوية،
تراجع القانون الدولي أمام العقائد الجيوسياسية،
وتحوّل الأمم المتحدة إلى شاهد بلا سلطة.
فنزويلا، بهذا المعنى، ليست أزمة محلية، بل إعلاناً عن عودة العالم إلى ما قبل القواعد، حيث يُستدعى التاريخ ليبرر القوة، ويُبعث مبدأ مونرو لا كذكرى، بل كسياسة حيّة تُدار بها العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى