حين ينزل القاضي من المنصة إلى الإنسان… عبدالحفيظ سلطاني وقضاء يحمي الطفولة بالعلم والقانون

حين ينزل القاضي من المنصة إلى الإنسان… عبدالحفيظ سلطاني وقضاء يحمي الطفولة بالعلم والقانون
تحرير:
روضة الورتاني
تونس – آيسك نيوز الدولية
القضاء ليس قاعة مغلقة
اعتدنا أن نرى القاضي خلف منصة عالية، مطرقة خشبية، وملفات لا تنتهي. لكن هناك قضاة قرروا أن العدالة لا تُصنع في القاعات وحدها، بل تُبنى أيضاً في قاعات الجامعة، بين الطلبة، وأمام شاشة سينما تعرض وجع طفل.
كان الحضور الرءيسي في التظاهرة للقاضي عبدالحفيظ سلطاني، قاضي من الرتبة الأولى بالمحكمة الابتدائية بولاية سوسة، الجمهور ية التونسية ،
،واحد من هؤلاء. باحث في النوع الاجتماعي، وطالب دكتوراه في العلوم السياسية، عبدالحفيظ سلطاني قاضي عدلي من الرتبة الأولى بالمحكمة الإبتدائية بسوسة
متحصل على ماجستير دولي بحث في النوع الإجتماعي
باحث دكتوراه في العلوم السياسية
يثبت أن القاضي يمكن أن يكون مثقفاً عضوياً، يتفاعل مع محيطه، ويدرك أن القانون بلا إنسان مجرد نص بارد.
البداية كانت من المنصة إلى قاعة النقاش… قضاء يتكلم لغة المجتمع
يوم 14 أفريل، تتحول كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس إلى قاعة محكمة من نوع آخر. تظاهرة علمية ينظمها نادي الطلبة السفراء لقرى الأطفال SOS، تبدأ بعرض فيلم لبناني يشرّح جراح الطفولة، ويعقبها نقاش علمي. على الطاولة أخصائيون نفسيون، وطلبة، وبينهم يجلس القاضي عبدالحفيظ سلطاني.
هنا لا يلبس الجبة السوداء. هنا يلبس عباءة المثقف المسؤول. مداخلته لن تكون مرافعة، بل إضاءة على “الحماية المقررة للطفل على ضوء أحكام مجلة حماية الطفل”. ينزل القاضي من برجه العاجي ليقول للطلبة: القانون ليس نصاً ميتاً، هو أداة حيّة لحماية الأضعف.
أجندة قاضٍ يرى ما وراء الملف
القاضي سلطاني لا يكتفي بسرد الفصول. يضع يده على الجرح ويطرح 6 إشكاليات تمسّ صميم المجتمع:
الإشكالية لماذا هي جرح مفتوح؟ أين دور القاضي المثقف؟
1- الإهمال العائلي والإنجاب بلا مسؤولية
أطفال يولدون ليجدوا أنفسهم في الشارع قبل أن يتعلموا كلمة “بابا” تفعيل دور مندوب حماية الطفولة وربط القانون بالواقع الاجتماعي
2- تشغيل القُصّر بعلم الأولياء
فقر الأهل يتحول إلى رخصة استغلال، والمدرسة تُستبدل بالورشة التذكير أن موافقة الولي لا تبيح جريمة، والقانون يعلو على العُرف
3- زواج القُصّر طفلة تُزف بدل أن تُزف إلى مقعد الدراسة، تحت غطاء “السترة” شرح خطورة الاستثناءات القضائية وكيف تحولت إلى قاعدة
4- الانقطاع المدرسي بقرار عائلي”أخرجته من المدرسة ليشتغل” جملة تتكرر أكثر من النشيد الوطني بيان أن الحق في التعليم ليس منحة من الولي بل التزام دولة
5- الأطفال المهاجرون في تونس… طفل بلا أوراق = طفل بلا حماية، معرض لكل أشكال الاستغلال التأكيد أن مجلة حماية الطفل تحمي كل طفل على أرض تونس بلا تمييز
6- آليات التبليغ والتدخل “نرى ونسكت” ثقافة تقتل أطفالاً كل يوم نشر ثقافة التبليغ كواجب مواطني لا “وشاية”
ثالثاً: لماذا نحتاج قاضياً بمواصفات سلطاني؟
لأن القانون لا يطبقه الآلة فمجلة حماية الطفل صدرت سنة 1995. نص متقدم جداً، لكن دون قضاة يفهمون خلفياته السوسيولوجية والنفسية، يبقى حبراً. سلطاني باحث في النوع الاجتماعي، أي أنه يرى كيف أن “الطفلة” تدفع ثمن كونها أنثى مرتين.
ولأن الثقة في القضاء تبدأ من الشارع حين يرى الطالب أن القاضي يأتي ليناقشه فيلماً، لا ليصدر حكماً، تتغير الصورة النمطية. القضاء يصبح شريكاً مجتمعياً لا سلطة بعيدة.
كما أنها تعتبر معركة ثقافية قبل أن تكون قانونية. زواج القُصّر لا يوقفه فصل قانوني، يوقفه وعي. وتشغيل الأطفال لا يمنعه محضر، تمنعه أم تفهم أن مكان ابنها المدرسة. والقاضي المثقف هو الجسر بين النص والوعي.
ضد قضاة تونس… وجه آخر للعدالة
التجربة التونسية بعد 2011 أفرزت جيلاً من القضاة لا يختبئون خلف النص. عبدالحفيظ سلطاني نموذج: ماجستير دولي بحث في النوع الاجتماعي، دكتوراه في العلوم السياسية، وقاض ميداني. هذا المزج بين القانون والعلوم الإنسانية هو ما تحتاجه العدالة في الزمن الرقمي. قاضٍ يفهم أن “الطفل المهاجر” ليس ملفاً، بل قصة. وأن “الإهمال العائلي” ليس فقرة، بل كسر في روح.
المعايير الدولية، من اتفاقية حقوق الطفل إلى تعليقات اللجنة الأممية، تشدد على “التدريب المستمر للقضاة”. سلطاني يطبقها ذاتياً: يبحث، يناقش، يحاضر، ويعود لمكتبه ليطبق روح القانون لا حرفه فقط.
لنختم ونقول العدالة التي تمشي على قدمين
قيل قديماً: “العدل أساس العمران”. اليوم نقول: “العدل الواعي أساس الإنسان”.
حين ينزل قاضٍ من الرتبة الأولى ليخاطب طلبة حول فيلم عن الطفولة، فهو يقول لنا ثلاث رسائل:
1-القانون ليس خصم المجتمع، بل طبيبه.
2- القاضي ليس آلة إصدار أحكام، بل ضمير حي يقرأ الواقع.
3 -حماية الطفل لا تبدأ في المحكمة، بل تبدأ حين يقتنع الأستاذ والطبيب والجار أن التبليغ عن العنف واجب.
عبدالحفيظ سلطاني ليس استثناءً، بل بشارة. بشارة بأن في محاكمنا قضاة يدركون أن المنصة العالية لا تعني العزلة، وأن العلم والقانون إذا اجتمعا مع الإنسانية، أنجبا عدالة تمشي على قدمين قدم النص، وقدم الرحمة.
نستنتج ايضا القاعدة التي يرسخها هذا اللقاء:
في زمن صار فيه البعض يختبئ خلف “التحفظ”، فالشجاعة الحقيقية هي أن يتكلم القاضي حين يجب أن يصمت الآخرون. وأن يحمي الطفل بالقانون، وبالثقافة، وبالقدوة.





