منوعات

نداء عاجل إلى الحكومة والأحزاب الوطنية في لبنان

نداء عاجل إلى الحكومة والأحزاب الوطنية في لبنان

بقلم السيد حافظ

من أجل إنقاذ الدكتور فرحان صالح
أحد رموز لبنان الثقافية، وإحدى العلامات البارزة في الوعي العربي
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
في سنوات الثمانينات، وفي زمن كانت فيه الكويت تُوصَف بأنها عاصمة الثقافة ومنبرًا مفتوحًا لكل العرب، لم تكن اللقاءات عابرة، ولا الأسماء التي نعبرها في مسارات الحياة مجرد صدفة. كان الزمن نفسه يبدو وكأنه يعيد ترتيب خرائطه الخفية، ويدفع بنا نحو وجوهٍ تشبه الأسئلة العميقة التي نحملها في داخلنا.
في ذلك المناخ، التقيت بـفرحان صالح… ولم يكن لقاءً عاديًا.
كان رجلًا هادئًا إلى حدٍّ يُربك الانطباع الأول، فتراه بسيطًا في حضوره، لكنه سرعان ما يكشف عن عقلٍ مشغول بأسئلة كبرى: النهضة، الهوية، معنى أن يكون الإنسان مثقفًا في زمن الانكسارات والتحولات العنيفة. لم يكن مجرد أكاديمي حاصل على دكتوراه في الفلسفة والأديان، بل كان صاحب مشروع ثقافي متكامل، يسير إليه بثبات ووعي، وكأنه يقرأ الطريق قبل أن يُمشى.
أسّس مجلة “الحداثة”، التي لم تكن مجرد إصدار ثقافي، بل كانت فعل مقاومة معرفية، ومحاولة جادة لفتح نافذة في جدارٍ صلدٍ من الصمت والتكرار. ومن خلالها، ومع دار الحداثة للنشر في بيروت، سعى إلى أن يمنح الفكرة بيتًا، والكلمة سندًا، والمثقف مساحة حقيقية ليقول ما لا يُقال.
كان يؤمن أن الثقافة ليست ترفًا، بل شرط وجود.
وأن التنوير ليس شعارًا، بل معركة طويلة النفس ضد الجهل والانغلاق.
وأن المثقف الحقيقي لا يكتفي بالتأمل، بل يحوّل المعرفة إلى أثر، والفكرة إلى فعل.
في حضوره، كنت تشعر أن العروبة ليست خطابًا عابرًا، بل انتماءٌ عميق ومسؤولية تاريخية. لم يكن صاخبًا ولا خطيبًا، بل كان ثابتًا وهادئًا، كأنما يدرك أن الأفكار الكبرى لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى أو تُسمع.
كتب في قضايا الثقافة العربية، والهوية، ونقد التراث، وسعى إلى قراءة الواقع العربي بعين نقدية واعية، لا تُجامل ولا تيأس. وتركزت اهتماماته حول أسئلة النهضة، والعلاقة بين التراث والحداثة، وهي أسئلة ما زالت مفتوحة حتى اليوم، وكأنها لم تجد إجاباتها النهائية بعد.
وحين أستعيد صورته اليوم، لا أراه مجرد مفكر عابر في الذاكرة، بل واحدًا من أولئك الذين حاولوا أن يصونوا الفكرة العربية من التبسيط، ومن الاستهلاك، ومن التشويه، وأن يحافظوا على جوهرها حيًّا في مواجهة العواصف.
ومن هنا، أرفع هذا النداء الإنساني والثقافي العاجل إلى الحكومة اللبنانية والأحزاب الوطنية والجهات المعنية:
إن الدكتور فرحان صالح ليس مجرد اسم في الذاكرة الثقافية، بل قيمة فكرية وإنسانية تستحق الرعاية والاهتمام والدعم في هذه المرحلة الدقيقة.
إن إنقاذ رموز الفكر والثقافة هو في جوهره إنقاذ للهوية الوطنية نفسها، وحماية لذاكرة أمة كاملة.
وإنني، إذ أكتب هذه السطور، أتمنى له الشفاء العاجل، والصحة الكاملة، ودوام العافية والطمأنينة، فهو من الذين تركوا أثرًا لا يُمحى في الوعي والثقافة العربية، وأسهموا في صياغة أسئلة النهضة بصدق وجرأة.
كان فرحان صالح نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بأن يفهم العالم… بل يسعى، بهدوء وإصرار، إلى أن يغيّره.
وهذا في زمننا… قيمة نادرة تستحق الحماية والتقدير.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى