الإعلام بين نشر الوعي وترويج الدجل: جريمة استضافة المشعوذين في البرامج التلفزيونية

الإعلام بين نشر الوعي وترويج الدجل: جريمة استضافة المشعوذين في البرامج التلفزيونية
فكرة الصحفي: أمين الجربي. نشر الصحفية روضة الورتاني – تونس
-آيسك نيوز الدولية/ يُعد الإعلام، بشتى وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة، مرآة تعكس واقع المجتمعات، ومنبراً أساسياً لتشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي. وفي خضم التحديات المعاصرة التي تواجهها الأمة، يبرز دور الإعلام كقوة دافعة نحو التنوير والتقدم، أو، لا قدر الله، كأداة لنشر الجهل والخرافة. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة مقلقة ومؤسفة تتمثل في استظافة المشعوذين والعرافين في البرامج التلفزيونية، وهي ظاهرة لا تتنافى مع رسالة الإعلام السامية فحسب، بل تمثل جريمة مكتملة الأركان تستوجب التصدي الحازم من الأجهزة الرقابية وتجريمها قانونياً.
تتعدد الأسباب التي تدفع بعض القنوات التلفزيونية إلى استضافة المشعوذين والعرافين، ولعل أبرزها السعي وراء نسب المشاهدة العالية والربح المادي السريع، دون اعتبار للمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. ففي مجتمعات تعاني من تحديات اقتصادية واجتماعية ونفسية، يجد بعض الأفراد ضالتهم في هذه الخرافات، مما يجعلهم فريسة سهلة لهؤلاء الدجالين الذين يستغلون ضعفهم وحاجتهم. إن هذه الظاهرة ليست مجرد تجاوز إعلامي عابر، بل هي تغلغل للخرافة في نسيج المجتمع، وتكريس للجهل بدلاً من العلم، وتغذية للأوهام بدلاً من بناء الحقائق.
إن الدور الأصيل للإعلام هو نشر الوعي، وتعزيز الثقافة، وتنوير العقول. فالإعلام الواعي هو الذي يقدم المحتوى الهادف الذي يثري المعرفة، ويشجع على التفكير النقدي، ويحارب الجهل والخرافة. يجب أن يكون الإعلام حصناً منيعاً ضد الدجل والشعوذة، لا بوقاً يروج لهما. فبدلاً من استضافة من يدعي معرفة الغيب، يجب على الإعلام أن يستضيف العلماء والمفكرين والخبراء الذين يقدمون حلولاً واقعية لمشكلات المجتمع، ويعززون قيم العلم والعمل والاجتهاد
إن استضافة المشعوذين والعرافين في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على كونها مخالفة أخلاقية، بل تتعداها لتصبح جريمة تستوجب المساءلة القانونية. فالدجل والشعوذة يضران بالمجتمع على مستويات عدة، منها:
1. الضرر الاقتصادي: استنزاف أموال الأفراد البسطاء الذين يقعون ضحية لهذه الممارسات.
2. الضرر الاجتماعي: تفكيك الأسر، ونشر الشكوك، وتغذية الخلافات بناءً على أوهام وخرافات.
3. الضرر النفسي: إحداث حالة من اليأس والإحباط لدى الأفراد الذين يتعلقون باموال كاذبة.
4. الضرر الفكري: محاربة العقل والعلم، وتكريس التفكير الخرافي غير المنطقي.
لذلك، يجب على الأجهزة الرقابية المعنية بالإعلام أن تتصدى لهذه الظاهرة بكل حزم، وأن تضع قوانين صارمة تجرم استضافة هؤلاء الأشخاص، وتفرض عقوبات رادعة على القنوات التي تخالف هذه القوانين. وقد بدأت بعض الدول، مثل مصر، في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه بمنع استضافة العرافين والمنجمين على شاشاتها . هذه الخطوات يجب أن تكون بداية لجهد عربي شامل لتجفيف منابع الدجل والخرافة في الإعلام.
للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، نقترح ما يلي:
1. تفعيل الدور الرقابي: على الهيئات الإعلامية والجهات الرقابية أن تفرض رقابة صارمة على المحتوى الإعلامي، وتتخذ إجراءات فورية ضد أي قناة تستضيف المشعوذين.
2. تعديل التشريعات: يجب على المشرعين في الدول العربية سن قوانين تجرم الدجل والشعوذة في الإعلام، وتحدد عقوبات واضحة للمخالفين.
3. توعية الجمهور: إطلاق حملات توعية مكثفة للجمهور بخطورة الدجل والشعوذة، وتعزيز قيم التفكير العلمي والعقلاني.
4. دعم المحتوى الهادف: تشجيع ودعم البرامج الإعلامية التي تقدم محتوى علمياً وثقافياً وتنويرياً، وتبرز النماذج الإيجابية في المجتمع.
5. المسؤولية الذاتية للإعلاميين:يجب على الإعلاميين أنفسهم أن يتحلوا بالمسؤولية المهنية والأخلاقية، وأن يرفضوا المشاركة في أي برامج تروج للخرافة
إن الإعلام قوة عظيمة، يمكن أن تكون بناءة أو هدامة. وفي معركة الوعي ضد الجهل، يجب أن يقف الإعلام في صف التنوير، وأن يكون منارة للعلم والثقافة. إن استضافة المشعوذين والعرافين في البرامج التلفزيونية ليست مجرد خطأ عابر، بل هي خيانة لرسالة الإعلام، وجريمة بحق المجتمع. آن الأوان لأن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية لتطهير شاشاتنا من هذه الآفة، ولنعود بالإعلام إلى دوره الحقيقي كصانع للوعي وباني للحضارة.




