رئيس الفيدرالي يخلط أوراق الأسواق… قيادة جديدة أم سياسة نقدية بلا بوصلة؟

رئيس الفيدرالي يخلط أوراق الأسواق… قيادة جديدة أم سياسة نقدية بلا بوصلة؟
بقلم: البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد
خبير الذهب العالمي والخبير الدولي في تحليل أسواق الذهب والمعادن الثمينة
لم يعد السؤال الذي يشغل المستثمرين: هل سيرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة؟ بل أصبح: ماذا يريد رئيس الفيدرالي كيفن وارش أن يفعل بالضبط؟
قبل أيام قليلة من اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يومي 28 و29 يوليو 2026، تحولت الأسواق إلى ساحة من الاحتمالات المتضاربة؛ لا توجيه واضح، ولا مسار نقدي يمكن البناء عليه، ولا رسالة حاسمة تحدد إن كان البنك المركزي يتجه إلى التثبيت أم إلى رفع الفائدة. الموعد مثبت رسميًا في جدول الاحتياطي الفيدرالي، لكن القرار نفسه ما يزال محاطًا بدرجة استثنائية من الغموض.
وارش يهدم قواعد اللعبة القديمة
اعتادت الأسواق خلال السنوات الماضية أن تتلقى من الفيدرالي إشارات مسبقة تساعدها على فهم المسار المقبل للفائدة، لكن وارش يبدو مصممًا على إنهاء سياسة «التوجيه المسبق»، ومنح البنك المركزي مساحة أكبر للمفاجأة والمناورة.
قد تبدو هذه السياسة ذكية من الناحية النظرية، لكنها عمليًا ترفع مستوى الارتباك وتفتح الباب أمام المضاربات العنيفة. فعندما لا يعرف المستثمر إن كان احتمال رفع الفائدة 20% أم 30% أم 40%، يصبح القرار الاستثماري أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل.
الفيدرالي أبقى في اجتماعه السابق نطاق الفائدة عند 3.50%–3.75%، إلا أن توقعات عدد من أعضائه تحولت إلى اتجاه أكثر تشددًا، مع توقع تسعة مسؤولين رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال عام 2026.
هل وارش مرتبك… أم يتعمد إرباك الأسواق؟
لا أستطيع القول إن رئيس الفيدرالي «لا يعرف ماذا يريد»، لكن النتيجة الظاهرة أمام المستثمرين تقول إن الأسواق لا تعرف ماذا يريد، وهذه بحد ذاتها مشكلة خطيرة.
رئيس البنك المركزي ليس مطالبًا بكشف القرار قبل الاجتماع، لكنه مطالب ببناء الثقة. وعندما يتحول كل اجتماع إلى مفاجأة محتملة، فإن الأسواق تبدأ في تسعير الخوف بدلًا من تسعير البيانات الاقتصادية.
لقد قفزت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع يوليو إلى قرابة الثلث، ووصلت في بعض التسعيرات إلى ما يقارب 40%، بعد أن كانت أقل بكثير قبل أسابيع قليلة. وفي المقابل، لا يزال جزء كبير من الاقتصاديين يتوقع تثبيت الفائدة، ما يكشف حجم الانقسام غير المعتاد قبل الاجتماع.
النفط أشعل التضخم… والفيدرالي وقع في الفخ
المشكلة لا تتعلق بوارش وحده؛ فقد جاءت عودة ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية لتخلط الحسابات بصورة أكبر. اقتراب خام برنت من مستوى 100 دولار أعاد مخاوف التضخم، ورفع عوائد السندات، ودفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على تشديد السياسة النقدية.
الفيدرالي الآن محاصر بين طريقين كلاهما مؤلم:
رفع الفائدة قد يضغط على النمو والأسهم والائتمان، بينما تثبيتها قد يُفسَّر على أنه تساهل أمام موجة تضخمية جديدة. أما الاستمرار في الغموض، فهو يجعل المستثمرين يدفعون ثمن عدم اليقين قبل صدور القرار وبعده.
الذهب يراقب المعركة بصمت
الحصان الأصفر الجامح يقف في قلب هذه المعركة. رفع الفائدة بصورة مفاجئة قد يمنح الدولار وعوائد السندات دفعة أولية ويضغط على الذهب مؤقتًا، لكن استمرار التضخم والتوترات الجيوسياسية وفقدان الثقة في وضوح السياسة النقدية قد يعيد الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا استراتيجيًا.
أما تثبيت الفائدة مع لهجة أقل تشددًا، فقد يضعف الدولار ويفتح الباب أمام انطلاقة جديدة للذهب. لذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس القرار وحده، بل لغة وارش في المؤتمر الصحفي وما إذا كان سيعيد الثقة إلى الأسواق أم يزيد المشهد اضطرابًا.
الخلاصة
كيفن وارش يريد تحرير الفيدرالي من قيود التوجيه المسبق، لكنه في المقابل جعل الأسواق تسير وسط الضباب. وقد تكون المفاجأة أداة نقدية مشروعة، إلا أن الإفراط فيها يحول السياسة النقدية إلى لعبة احتمالات عالية المخاطر.
رئيس الفيدرالي لم يكشف أوراقه، لكنه خلط أوراق الجميع.
والسؤال الذي سيحسمه اجتماع 29 يوليو ليس فقط: هل سترتفع الفائدة؟
بل: هل يقود وارش سياسة نقدية أكثر مرونة… أم يدفع الأسواق إلى مرحلة من الفوضى لا يعرف أحد نهايتها؟




