منوعات

حافي الرأس في محطة الطموح عندما ينطق القاضي شعراً

حافي الرأس في محطة الطموح عندما ينطق القاضي شعراً
كتابة: الصحفية روضة الورتاني – تونس

-آيسك نيوز الدولية في زمنٍ اختلطت فيه الجدران بالقضبان، والقوانين بالدموع، يخرج علينا صوتٌ مختلف.
صوت لا يصدر حكماً، بل يترافع عن الإنسان.

إنه صوت الدكتور رشيد المبروك، القاضي ورئيس المحكمة، الذي جمع بين صلابة القانون ورهافة الرومنسية، فكتب قصيدة وجعٍ وطني سماها الوطن كله.

“حافي الرأس في محطة الطموح”

> إلى أين المسير يا سيدي
> خطواتي تثاقل
> تعب السير من المسير
> تعبت الإشارة من المشير
> وأنا يا سيدي
> بذلت فتات قلبي المتعب الأبي
> كي أبلغ محطة الطموح
> تكفيني المحطة لإرضاء احتياجي
> وها أنا أقف
> حافي الرأس
> والطيور من عليائها
> تبرعت بجناحيها
> تطوعت
> كي تحصي قهقهاتي
> ما عاد لي رصيد سوى التعب
> أتقبل تعبي عربونا
> وننهي هذا العداء الخفي
> طالما توعدني حظي
> ولم أصدق
> متى كان للحظ معنى
> في مواجهة السؤال العصي
> في غياب الأسئلة يا سيدي
> نحن سواء
> جيل يسأل ولا يجيب
> ننتظر
> ربما يأتي الجواب
> ذات يوم من صبي.

قراءة معمقة” لمرافعة شاعر يرتدي روب القضاء

قصيدة الدكتور المبروك ليست مجرد كلمات. هي جلسة استماع علنية يعقدها الوطن مع نفسه.

لغة القانون المكسورة
“تعب السير من المسير تعبت الإشارة من المشير”
هنا القاضي الذي أمضى عمره يرفع يده بالإشارة في قاعة المحكمة، يعترف أن إشارته تعبت. القانون الذي كان سيفاً، صار عبئاً. وهذا اعتراف نادر من رجل دولة: أن النظام نفسه مرهق.

اقتصاد المشاعر
“بذلت فتات قلبي المتعب الأبي”
كلمة “الأبي” قانونية وأخلاقية معاً. هو لا يبذل مالاً ولا منصباً، بل يبذل الشرف. والمقابل؟ “محطة” فقط. لا حلم كبير، فقط محطة تُرضي الاحتياج. هذا هو تعريف الإحباط عند النخب.

سخرية القدر
أقسى صورة “الطيور من عليائها تبرعت بجناحيها كي تحصي قهقهاتي”
حتى الطبيعة نزلت من عليائها لتضحك. لم يبقَ للإنسان إلا أن يقدم “تعبه عربونا” لإنهاء “العداء الخفي” مع الحياة. أي سلام هذا الذي يُشترى بالتعب؟

خاتمة الجيل
“جيل يسأل ولا يجيب… ننتظر ربما يأتي الجواب ذات يوم من صبي”
هنا يخلع القاضي روبه ويجلس معنا على الرصيف. يعترف أن الكبار عجزوا، وأن الأمل معلق برقبة “صبي” لم يأتِ بعد. هو حكم بالبراءة على هذا الجيل، وإدانة للزمن.

“رشيد المبروك” عندما يصير الميزان قلماً

ما يميز هذه التجربة أنها جمعت المنطق القانوني والحدس الصوفي.
رجل يحكم بالعدل نهاراً، ويبكي على العدل ليلاً.
رجل يعرف نصوص القانون حرفاً، ويكتب نصوص الوجع شعراً.

في قصيدته، لم يعد “سيدي” سلطة. صار الوطن، صار القدر، صار كل من يملك الجواب ويبخل به.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى