مقالات

الفلسطيني في قفص التأشيرة… عندما تصبح الهوية عبئاً قانونياً

الفلسطيني في قفص التأشيرة… عندما تصبح الهوية عبئاً قانونياً

وديع فايز الشماس

من حق الدول أن تنظم حدودها، وأن تفرض التأشيرات، وأن تُخضع طلبات الدخول للتدقيق الأمني.
هذه سيادة لا ينازعها أحد.
لكن ما ليس طبيعياً ولا مقبولاً حقوقياً هو أن يتحول الفلسطيني، في بعض الحالات، إلى موضع اشتباه مسبق بسبب وثيقة سفره أو وضعه القانوني، لا بسبب سلوكه أو ملفه الشخصي.
فطبيب فلسطيني مدعو إلى مؤتمر دولي، أو باحث أكاديمي تلقى دعوة من جامعة مرموقة، أو رجل أعمال يملك سجلاً تجارياً واضحاً وحجوزات مؤكدة، قد يجد نفسه أمام عقبات وإجراءات إضافية لا ترتبط بغاية السفر أو مؤهلاته، بل بكونه فلسطينياً يحمل وثيقة سفر لا تعادل في نظر بعض الجهات جواز السفر الوطني.
هنا لا يتعلق الأمر بامتيازات خاصة، بل بمبدأ قانوني بسيط: المسؤولية فردية وليست جماعية.
فلا يجوز أن يُقيَّم إنسان على أساس هويته القومية أو وضعه السياسي المجرد، بل على أساس ملفه الشخصي والوثائق التي يقدمها.
وتنص المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل إنسان الحق في التمتع بالحقوق والحريات دون تمييز بسبب الأصل القومي أو أي وضع آخر، كما تؤكد أنه لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني للإقليم أو الدولة التي ينتمي إليها الشخص.
كما تنص المادة 13 من الإعلان نفسه على حق كل شخص في مغادرة أي بلد والعودة إليه، وهو حق يفترض عملياً وجود وثائق سفر فعالة ومعترف بها.
أما المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فتؤكد أن وثائق السفر الخاصة باللاجئين ليست مجرد أوراق إدارية، بل أداة أساسية للوصول إلى فرص العمل والدراسة والمؤتمرات الدولية ولممارسة الحقوق الأساسية والتنقل بصورة قانونية وآمنة.
وعلى المستوى العربي، نص بروتوكول الدار البيضاء لعام 1965 على منح الفلسطينيين وثائق سفر صالحة، وعلى معاملة حامليها معاملة مواطني الدول العربية فيما يتعلق بالتأشيرات والإقامة، مع اختلافات وتحفظات في التطبيق بين الدول.
لذلك فإن القضية ليست رفض تأشيرة هنا أو تشديد إجراء هناك، بل غياب الشفافية عندما تصبح الهوية نفسها عاملاً سلبياً في التقييم.
فإذا كان القرار قائماً على اعتبارات أمنية أو قانونية فردية فليكن معللاً وقابلاً للمراجعة.
أما إذا كان مبنياً على افتراضات عامة مرتبطة بكون المتقدم فلسطينياً، فإن المسألة تقترب من التمييز أكثر مما تقترب من الإدارة الرشيدة للحدود.
الفلسطيني لا يطلب استثناءً من القانون، بل تطبيق القانون عليه كما يُطبق على غيره.
ولا يطلب تجاوز السيادة الوطنية، بل احترام مبدأ المساواة أمام الإجراءات.
فالمفارقة القاسية أن شعباً حُرم من دولته منذ عقود ما زال يُعاقَب أحياناً بسبب غياب تلك الدولة نفسها.
الديمقراطية لا تُقاس بطريقة التعامل مع أصحاب النفوذ والجوازات القوية، بل بطريقة التعامل مع الإنسان الذي لا يملك سوى حقه.
والفلسطيني بلا دولة ليس إنساناً بلا حقوق، ولا يجوز أن تتحول مأساته التاريخية إلى سبب دائم لتقييد حركته ومستقبله.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى