اقتصاد

الدولار يشدّ اللجام… والهند تتراجع والصين تنقذ الطلب: الحصان الأصفر يتراجع خطوة لكنه لم يغادر السباق

الدولار يشدّ اللجام… والهند تتراجع والصين تنقذ الطلب: الحصان الأصفر يتراجع خطوة لكنه لم يغادر السباق

بقلم: البرفسور المهني الممارس الدكتور هاني فايز يوسف حمد
خبير الذهب العالمي والخبير الدولي في تحليل أسواق الذهب والمعادن الثمينة

تعرّض الذهب في ختام تعاملات الأسبوع لموجة بيع قوية، بعدما اجتمعت أمامه ثلاثة ضغوط رئيسية: بيانات أمريكية أظهرت استمرار تماسك سوق العمل، وتعافي الدولار، وتراجع الطلب الفعلي على الذهب في الهند، ليفقد المعدن النفيس نحو 1.5% إلى 1.7% من قيمته، وتتراجع معه بقية المعادن الثمينة.

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا هبط الذهب؟ بل: هل انتهت رحلة الحصان الأصفر، أم أن ما حدث مجرد تصحيح مؤقت بعد اندفاعة قوية؟

سوق العمل الأمريكي يمنح الدولار قبلة الحياة

جاءت الضربة الأولى من بيانات مؤشر تكلفة التوظيف الأمريكي، التي أظهرت نمو تكاليف العمالة بنسبة 0.9% خلال الربع الثاني، واستقرار نموها السنوي عند 3.4%.

هذه البيانات لم تكن شديدة التضخم، لكنها أكدت أن سوق العمل الأمريكي لا يزال متماسكًا، وأن ضغوط الأجور لم تختفِ بالكامل، وهو ما قلل من اندفاع الأسواق نحو الرهان على سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.

وبمجرد أن قرأ المستثمرون البيانات، عاد الدولار إلى الارتفاع، مستعيدًا مستوى 100 نقطة تقريبًا، بعد خسارته الحادة عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.

وهنا ظهر التأثير المباشر: كلما اشتد عود الدولار، ضاق مجال حركة الذهب؛ لأن ارتفاع العملة الأمريكية يجعل شراء المعدن أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ويمنح الأصول المدرة للعائد أفضلية مؤقتة على الذهب.

الفيدرالي ثبّت الفائدة… لكنه ترك الأسواق بلا بوصلة

قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة لم يكن مفاجئًا، وهو السيناريو الذي أكدنا سابقًا أن البنك المركزي الأمريكي لا يملك بديلًا منطقيًا عنه في هذه المرحلة.

لكن المشكلة لم تكن في القرار، بل في الرسائل التي رافقته.

الأسواق كانت تنتظر إشارة واضحة إلى موعد التحرك المقبل، إلا أن استمرار الغموض بشأن اتجاه الفائدة دفع المستثمرين إلى إعادة حساباتهم، وانخفضت احتمالات رفع الفائدة في الاجتماع المقبل مقارنة بالمستويات التي كانت مسجلة قبل أسبوع.

وهكذا بقي الذهب عالقًا بين قوتين: احتمالات تيسير نقدي تدعمه على المدى المتوسط، ودولار متعافٍ وعوائد مرتفعة تضغط عليه في المدى القصير.

الهند تتراجع… والصين تتحرك

على مستوى الطلب الفعلي، ظهر تباين واضح بين أكبر سوقين للذهب في العالم.

في الهند، تراجع إقبال المشترين خلال الأسبوع، إذ فضّل المستهلكون انتظار وضوح اتجاه الأسعار قبل العودة بقوة إلى السوق. ويعكس ذلك حالة حذر داخل السوق الهندية بعد التقلبات الأخيرة.

أما في الصين، فتحسن أداء اليوان جعل الذهب أقل تكلفة للمشترين المحليين، وهو ما ساعد على زيادة المشتريات ودعم الطلب في أكبر دولة مستهلكة للمعدن النفيس عالميًا.

هذا التباين يعني أن الطلب الآسيوي لم ينهَر، لكنه تحرك بصورة غير متوازنة: الهند ضغطت على الذهب، بينما الصين منعت الطلب الفعلي من السقوط الكامل.

الطاقة تعيد إشعال التضخم من الباب الخلفي

رغم صدور بيانات أشارت إلى تباطؤ التضخم الأمريكي، فإن عودة التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط أعادا المخاوف من جديد.

فاستمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة قد يعيد الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة، ويجبر الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول.

وهذا السيناريو يحمل تأثيرًا مزدوجًا على الذهب: فهو يضغط عليه من خلال الفائدة والدولار، لكنه في الوقت ذاته يعزز مكانته ملاذًا آمنًا أمام التضخم والمخاطر الجيوسياسية.

الحصان الأصفر تراجع… لكنه لم يسقط

ما حدث في السوق ليس انهيارًا في الأساسيات، بل تصحيح سعري عنيف ناتج عن عودة الدولار وعمليات جني الأرباح وتراجع الطلب الهندي مؤقتًا.

الذهب لا يزال يتحرك داخل اتجاه صاعد أوسع على المدى الطويل، بينما تبقى العوامل الداعمة قائمة: التوترات الجيوسياسية، ومخاطر التضخم، وغموض السياسة النقدية، وطلب البنوك المركزية، وتحسن المشتريات الصينية.

لقد نجح الدولار مؤقتًا في شدّ لجام الحصان الأصفر، وأجبره على التراجع خطوات، لكنه لم ينتزع منه موقعه في السباق.

الخلاصة النارية

سوق العمل الأمريكي أعاد الثقة إلى الدولار، والهند أوقفت الشراء مؤقتًا، بينما تحركت الصين لحماية الطلب الفعلي. لذلك تراجع الذهب، لكنه لم يفقد معركته الكبرى.

الحصان الأصفر اليوم في مرحلة تصحيح، لا في مرحلة استسلام. ومن يعتقد أن انخفاض جلسة واحدة يعني نهاية المسار، فقد يكتشف قريبًا أن الذهب كان يتراجع فقط ليجمع أنفاسه.

الدولار شدّ اللجام… لكن الحصان الأصفر لم يقل كلمته الأخيرة بعد

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى