السلام في الشرق الأوسط: ليس ما نظنه وديع فايز الشماس

السلام في الشرق الأوسط: ليس ما نظنه
وديع فايز الشماس
لم يعد مفهوم السلام في الشرق الأوسط قابلًا للاختزال في صورته التقليدية بوصفه مجرد غياب للحرب أو توقفٍ مؤقت لإطلاق النار. فهذه القراءة المبسطة، رغم شيوعها، تعجز عن تفسير واقعٍ بالغ التعقيد، حيث تستمر أسباب الصراع كامنةً حتى في لحظات الهدوء الظاهري. إن السلام، في جوهره، ليس حالة سكون عسكري، بل بنية متكاملة تقوم على العدالة، وتستمد استدامتها من معالجة الجذور العميقة للنزاعات، لا من تجميد نتائجها.
تتجلى المفارقة بوضوح في المشهد الإقليمي الراهن: مؤتمرات سلام تُعقد، ومسارات دبلوماسية تُعلن، وخطابات رسمية تتحدث عن الاستقرار، بينما يستمر الواقع الميداني في إنتاج التوتر والخوف. في دولٍ مثل لبنان، لا يزال القلق جزءًا من الحياة اليومية، رغم تعدد الاتفاقات ومحاولات التهدئة. هذا التناقض يفرض سؤالًا مركزيًا: ما جدوى أي اتفاق لا ينعكس بشكل ملموس على أمن الناس واستقرارهم؟ وما قيمة سلامٍ لا يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية؟
تُميز الأدبيات السياسية بين نوعين من السلام: سلام سلبي يقتصر على وقف العنف، وسلام إيجابي يؤسس لبيئة عادلة تمنع تكرار الصراع. غير أن الشرق الأوسط، حتى اليوم، لا يزال عالقًا في إطار السلام السلبي، حيث تُبرم الاتفاقات دون أن تُبنى المؤسسات القادرة على حمايتها، أو تُعالج الاختلالات البنيوية التي أنتجت الصراع أساسًا. فالمشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في غياب البيئة السياسية والمؤسساتية التي تمنح هذه المبادرات قابلية الاستمرار.
لقد تجاوزت صراعات المنطقة الأطر التقليدية التي كانت تُفسر بها في السابق. نحن اليوم أمام شبكة معقدة من التداخلات السياسية والتاريخية والإقليمية، حيث لم تعد الحروب محلية الطابع، بل باتت ممتدة ومتشابكة، تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تصبح أي تسوية جزئية أو مؤقتة مجرد تأجيل للأزمة، ما دامت القضايا الجوهرية—كالحقوق السياسية، والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للموارد—لا تزال خارج المعالجة الفعلية.
إن أي مقاربة جدية لتحقيق السلام في المنطقة لا بد أن تستند إلى مجموعة من الركائز الأساسية. أولها العدالة، باعتبارها الشرط الأولي لأي استقرار حقيقي، وفي مقدمتها معالجة القضايا المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها دون أن يبقى السلام هشًا ومعرضًا للانهيار. ثانيها بناء مؤسسات قوية وفعالة، قادرة على فرض القانون وتحقيق الكفاءة، إذ لا يمكن لدولٍ تعاني من ضعف إداري وارتفاع في معدلات الفساد أن تنتج سلامًا مستدامًا. ثالثها وجود شراكة دولية حقيقية، قائمة على توازن المصالح لا على إدارة الأزمات، بما يضمن دعمًا فعليًا لمسارات الاستقرار. أما الركيزة الرابعة فتتمثل في دور المجتمع المدني والتقنيات الحديثة، التي باتت أدوات مؤثرة في تخفيف الاستقطاب وفتح مساحات للحوار وإعادة بناء الثقة.
غير أن تحقيق هذه الركائز يتطلب تحولًا أعمق في طريقة التفكير السائدة. فالإشكالية الأساسية لم تعد في غياب الحلول، بل في طبيعة المقاربة نفسها، التي لا تزال تميل إلى إدارة الصراع بدلًا من حله. المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق المعالجات البنيوية، ومن التنافس الإقليمي إلى مفهوم الأمن الجماعي، حيث يصبح استقرار كل دولة جزءًا من استقرار المنظومة ككل.
ورغم قتامة المشهد، فإن المنطقة لا تخلو من فرص حقيقية يمكن البناء عليها، في ظل تحولات سياسية واقتصادية متسارعة. غير أن هذه الفرص ستظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى سياسات واضحة وإرادة حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة.
في المحصلة، لم يعد السلام في الشرق الأوسط خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء. غير أن هذه الضرورة لا يمكن أن تتحقق عبر حلول شكلية أو اتفاقات هشة، بل عبر مسار طويل يعيد تعريف السلام بوصفه مشروع عدالة شامل. فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها تبقى واضحة: لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا مؤسسات، ولا مستقبل دون معالجة حقيقية لجذور الصراع. وكل ما عدا ذلك ليس سوى هدنة مؤقتة، تؤجل الانفجار ولا تمنعه.



