ثقافةمقالات

بلاغة الصمت وعنف الإشارة: قراءة “طعم الخرس” بقلم د. يحيى خيرالله في ضوء تحولات الخطاب العالمى

دراسة نقدية بقلم : الدكتور. هشام محفوظ

تمثّل رواية طعم الخرس للكاتب يحيى خيرالله، نموذجًا سرديًا مركّبًا ينفتح على مستويات متعددة من التلقي ، حيث يتحوّل “الخرس” الفني في النص من حالة فردية إلى بنية رمزية جامعة تصطبغ بالإنسانية، يمكن قراءتها في ضوء ما يشهده عالمنا المعاصر في تلك اللحظة التي تتهدد فيها حضارات ،  وما نعايشه من تحوّل في أنماط التعبير ، حيث تتراجع اللغة لصالح أنماط “إشارية” بآليات عنيفة، مثل الصواريخ والطائرات المُسيّرات  والتهديدات باستعمال القوة المفرطة .

فالكاتب الفذ يتسربل بوعي يندمج فيه الذاتي بالإنساني العام ؛ ومن هنا فنحن إننا إزاء عنوان لنص سردي نجد فيه الخرس يقدم بوصفه بنية دلالية ذات إشعاع مضياء مفعم بالرسائل .

 

“طعم الخرس” ؛ تلك العتبة الأولى لهذا النص متمثلة في العنوان تجتذب القارئ من أول وهلة .

وكذلك المحتوى اللغوي للإهداء .

 

الناص المبدع يستشرف البعيد بما يشبه النبوءة إذ قدم لنا نموذجا لطعم الخرس الحكائي الإنساني المدهش وتلك هي فائدة الأدب!

 

الإهداء يبدو مخاتلا جدا وهذا ما جعلنا  نستشعر من الصفحات الأولى للنص قلقا وجوديا عميقا ، أكد هذا الشعور وجود تلك الكلمات الربانية في الإهداء:”يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه”.

مما يزيد من هذا الشعور أن ثمة تساؤلا بشأن أسماء الأبناء في الإهداء ؛ هل هي من فيض المجاز أم الحقيقة ؟

 

في حقيقة الأمر الأسماء في الإهداء مجاز.. إنهم الشباب الذين أهم أكثر تخوفا من الحاضر وقلقا على المستقبل.

 

ولعل الرسالة النصية بالأساس موجهة للشباب الذين يرون الآن المنظمات الدولية عاجزة عن حماية الدول الفقيرة من جبروت الطغيان العالمي المتمثل في  قطب أحادي الرأي والقرار ظانا أنه بأسلحته المرعبة قادر على قيادة العالم بالإسكات تارة وبالتهديد بالعقوبات الاقتصادية تارة أخرى أو بخطف رئيس دولة..بالتذرع بأسباب عديدة من بينها تصفية الحسابات ، ولقد كان لابد من الرجوع لمؤسسات رعاية القانون الدولي في العالم أن يكون لها مشورتها وقراراتها التي تسري على الجميع !

 

ولعل هذا ما جعل الإهداء يرد على هذا النحو:

“إلى أحب الناس إلى نفسي و أقربهم إلى قلبي ،  إليّ أنا… حين أردت أن أقول عكس ذلك استقر طعم الخرس في حلقي ؛  فلم أستسغه كعادتي ، رغم يقيني بأني سأتهم بالغرور و الأنانية ولم لا ؟ فكلنا كذلك .

 

إن الفرق بيني وبين غيري ،  أني لم أجرب هذا الطعم ،  رغم ذلك حاولت كتابة الإهداء أكثر من مرة إلى أبنائي عمرو ،  أحمد ، ريم ، زكريا ،  آية ، عبدالرحمن ، ياسين ،  غزل… “

.

إلا أنني تدبرت قول المولى عز وجل { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } – (عبس 34 -37).

.

أليس بعد كل هذا أقرب الناس إلى نفسي هو أنا ؟!

.

النص ص 7

الآية التي وردت في الإهداء من أهم مفاتيح الخرس الذي فرضه الكاتب على النص لكنه خرس نابض بالدلالة  .

إن الكاتب في مجتمعه يشبه ” الرولمان بلي”  حين يتحمل ثقل القضايا دون أن ينكسر، حين يضع بين كلماته “زيوت الوعي” التي تقلل من تصدع الذاكرة الجماعية، وتمنع آلة التاريخ من الاحتكاك القاتل بالجهل أو التزييف. هو الذي يُسهم في استمرار دوران العقل الجمعي، حتى لو لم يُذكر اسمه، حتى لو ظل مختبئًا داخل ماكينة القراءة أو خلف الغلاف .

.

وكما أن “الرولمان بلي ” لا يظهر إلا إذا تعطل، فإن الكاتب أيضًا لا يدرك المجتمع قيمته إلا حين تتوقف العجلة، حين يختفي العقل وتتسلل إلى الساحة أصوات الضجيج ووجوه لا تكتب بل تصرخ. عندئذٍ فقط، يتساءل الناس لماذا لم نعد نفكر كما كنا ، ولماذا صارت الآلة تصدر ضوضاء ولماذا لم نعد نتحرك للأمام.

.

من هذا المنطلق وبمقتضى هذا الفهم للدور الذي قدمه نص” طعم الخرس”  فإن العملية القرائية تستدعي تعمق

العناوين الداخلية في  رواية “طعم الخرس” التي جاءت على هذا النحو:

بن محوج

الحلقه الأخيرة

شهادة تقدير للبيع

حينما يكذب الكبار

خيل الحكومة

جار البحث عن منصور

طعم الخرس

الدعوةعامة

يموت الشجعان ليحيا الجبناء

لا عزاء منتصر ما زال حيا

كلنا هذا الرجل

الحلم جريمة

في عنوان (حينما يكذب الكبار)

يتواشج الداخلي بالعالمي ، وفي عنوان (شهادة تقدير للبيع) دلالة سياسية ذات صلة بالصراع الإنساني العالمي الدائر الآن بين الدول الكبرى الغنية والدول الصغرى الفقيرة..

.

النص لأنه متداخل الأحلام فهو يقدم مرسلة سردية استشرافية .

 النص استقرأ الواقع من الستينيات مرتكزا على ابرز أحداث العقد الأول من بداية الألفية الثانية مع أحداث يناير 2011.

وبذلك فهو من وجهة نظري يسمح بهذا المنحى المتسق مع الراهن المثخن بالتوترات والتحديات العالمية المتصارعة ، والضحية دائما البسطاء.. الشعوب البسيطه المنتظرة لـ الغائب

بيت أم أيوب والحمام الذي يستشعر الأمان عند البيت وكلمتها التي تسري على الصغار والكبار

لأنها لم تجد من الرجال من يساوي حبيبها الذي هو جد رامز فيما يبدو.

 

العناوين:

خطيبها “منصور” شاب فقير في القرية يمتلك كل سمات الرجولة.. عندما حاول ابن العمدة التقرب منها والتقدم للخطوبة بطريقة غير مقبولة.. وقف أمامه وألقى به في الترعة.. منصور هو الغائب بجسده الحاضر برجولته وسماته الشخصية

شهادة تقدير للبيع تتضمن دلالة سياسية .

وإذا كانت  إحدى الدراسات النقدية التي تناولت نص” طعم الخرس”  تشيرإلى أن “الرواية لا تتعامل مع الخرس كعجز بيولوجي ، بل كقيد اجتماعي وسياسي يُفرض على الذات”

 وفي قراءة أخرى: “تتحول الشخصيات إلى كائنات مأزومة ، لا تعاني من غياب الصوت ، بل من غياب القدرة على التأثير” فإننا  نوافق على ذلك حيث إن متابعة “مجموعة  الشباب  وهم يتحدثون مع عامل النظافة بحدة وهو رجل ضعيف بسيط يؤدي عمله بإخلاص ولا يثرثر بما لا يقدم ولا يؤخر.. ولا تعجبه تصرفات الشباب المتسرعون الذين لا يفهمون ما وراء الأشياء  حيث لا يبدو الخرس عجزا بيولوجيا ، بل كقيد اجتماعي حيث” تتبعثر بعض الجمل من أفواههم  :

“ده نظام فاسد ” !

يا راجل ده باعوا الغاز لعدونا…!

 

الخ النص ص 18

وعندما أراد لفت نظرهم لإصلاح وجهات نظرهم وقد كان الموقف إبان أحداث 25 يناير 2011 فـ”احتدوا عليه في الحوار حتى كاد الأمر أن يتحول إلى مشاجرةلم ينقذ الرجل منهم إلا العنايه الإلهية ، ابتعد عنهم ثم نظر إليهم قائلا :

” إنتوا جيل مهبب إنتوا بقى اللي هتحرروا فلسطين يا توتو انت وهو!…

 

النص ص 19

هتف الشباب مشيرين إليه كأنهم يلصقون به تهمة شنعاء:

– فلول فلول.”

كلمة “فلول” هنا إذ تمثل قيدا اجتماعيا وسياسيا تم فرض الانسياب المجتمعي والسياسي على الذات الشعبية في نلك الفترة الملتبسة

فكان تعليق عامل النظافة بكل سذاجة وفطرية ؛

” بيعيروني إني باكل فول

أيقن رامز أن عامل النظافة لم يع معنى كلمة ” فلول”.

 

النص 20

فالرجل المسن عامل النظافة والشباب كائنات مأزومة وكذلك الشاب الذي كسر حدة المشهد كما ورد في النص هو أيضا مأزوم بغياب الفهم الصحيح.

“كسر حدة المشهد شاب يقود موتوسيكل ملامحه وملابسه وطريقهة كلامه تؤكد أنه ذو مروءة .

داعب الشاب الرجل المسن قائلا :

يا عم الحاج عيش نملة تاكل سكر”.

 

النص ص 20

إن المشهد كله في مستهل النص يدل على فكرة الخرس التي تلف الجميع لعدم تفهم الموقف جيدا.

.

ومن ثم فمن النزاهة الفكرية و والأمانة القرائية الإقرار بأن هذا الطرح من الفهم يتقاطع مع تصور ميشيل فوكو حول السلطة بوصفها “نظامًا لإنتاج الخطاب ومنعه”، حيث لا يكون الصمت غيابًا، بل نتيجة مباشرة لآليات الضبط والسيطرة وعوامل كثيرة ترجع إلى الشائعات وحروب الجيل الرابع .

.

إنني أتفق مع الناقد الأدبي الكبير دكتور محمد عبد الله الخولي في قوله إن “الرواية تكشف لنا ما تنساه – أو تضمره كتب التاريخ”.

.

فهي في نص” طعم الخرس” أشبه بذلك الذي جاء يسعى من أقصى المدينة جاء بالفهم والحكمة من أقصى مدائن الواقع إلى مكامن التاريخ لينير بوعي وفهم بناء مسارات الحاضر إلى المستقبل للخير وللحق والجمال .

في بنية النص ،  تتجلى هذه الرؤية وتلك الغاية عبر مقاطع تعكس اختناق الصوت الداخلي ، من قبيل:

“كان يريد أن يصرخ… لكن صوته ظل حبيسًا في صدره”

 وقوله :

“الكلمات تتزاحم في داخلي، لكنها لا تجد طريقها إلى الخارج” تماما مثل المنظمات الدولية التي تعجز الآن عن حماية الدول الفقيرة من جبروت الطغيان العالمي المتمثل في قطب أحادي الرأي والغايات يظن أنه بأسلحته المرعبة قادر على إدارة العالم وفق مصالحه الذاتية بالإسكات أوالتهديد ! اتساقا بشكل أو بآخر مع تصور ميشيل فوكو حول السلطة بوصفها “نظامًا لإنتاج الخطاب ومنعه !

 

هذه الشواهد لا تُقرأ بوصفها تعبيرًا نفسيًا فقط ، بل بوصفها : علامات على انكسار العلاقة بين الذات وهذا العالم المثقل بالقلق الرابض في قلوب شعوب دول العالم..

وهو ما يجعل الخرس الرابض هنا في عنوان النص  لغة بديلة ، أو ما يمكن تسميته بـ”الخطاب الصامت” المفعم ببلاغة الإشارة .

 

فلقد أراد الأديب يحيى خير الله التعبير عن هذا الواقع فـ” لجأ إلى شكل تعبيري يحمل رؤيته التي تختزل عالمه الواقعي والمتخيل كذلك  . لنجد أن هذه الرؤية الواقعية تنطلق مما هو كائن ومعيش، مفروض بالقوة في العالم الواقعي، أو ما يسميه الماركسيون” ضغط البنية التحتية”. إلا أن الارتباط بعالم الواقع ليس للتقيد به أو محاكاته بالتعبير الآلي عن مختلف اختلاجاته بصورة موضوعية بل لتجاوزه نحو التحرر من إساره إلى أفق أكثر تجريدية وطلاقة تستشرف مستقبله في صيغة تفاؤلية كسبيل لإرادة تغيره ليكون في ذلك إعلان عن رفض مواصفات عالم الواقع وثورة على القيم السائدة فيه” (1).

 

فـإذا كانت رواية “طعم الخرس” تكشف عن انسداد قنوات التعبير ، فإن عالمنا المعاصر يقدّم نموذجًا موازيا ، حيث تتحول اللغة إلى:

إشارات عسكرية لا تخفى على متابعي نشرات الأخبار في عالمنا المعاصر، فلقد اعتاد الناس متابعة الطائرات المُسيّرة المنثورة بين بعض المتواجهين في عالمنا المعاصر والضربات الصاروخية المتبادلة بين هذه وتلك !!

 

وفي هذا السياق، يمكن قراءة الواقع بوصفه انتقالًا من اللغة الحوارية → إلى اللغة الإشارية العنيفة ؛ حيث لم تعد بعض الدول “تتحدث”، بل “تُرسل رسائل” عبر: القصف المحدود أو الردع الاستراتيجي أو الضربات الاستباقية !

 

في  المرسلة السردية “طعم الخرس” للكاتب يحيى خيرالله الشخصيات تعاني من كبت داخلي ؛  إذ  تفشل اللغة في أداء وظيفتها ، والحلم يحل محل الواقع .

 

كذلك في هذا العالم القلق ، الشعوب في الدول المسالمة تُهمَّش ، والخطابُ السياسي يُفرَّغ من مضمونه ، وتعجز المؤسسات الدولية المنوط بها محاسبة المخطئ عن إيقاف ذلك ، فنجد العنف يحل محل الحوار ، وهنا يتحقق ما يمكن تسميته بـ : التوازي البنيوي بين النص والعالم !

“طعم الخرس”  مرسلة سردية أصبحت فيها الرواية “نموذجًا مصغّرًا” لعالم أكبر يعيش الأزمة ذاتها و كأننا في عرض مسرحي يشاهده العالم مجبرا على المشاهدة ، غير قادر على إنجاز ما يجب إنجازه لإعمار الحياة ، بسبب الحرب.

أو فلنقل يشاهده بعيني المراقب القلق على أمنه ومستقبله واستقرار شعوبه!

تشير بعض الدراسات التي تناولت النص إلى أن: “الرواية تقترب من الشكل المسرحي ، حيث تتكثف الحوارات وتتصاعد المواجهات”.

 

وهذا البعد المسرحي يمكن قراءته في ضوء مفهوم “المجتمع المراقَب” عند ميشيل فوكو، حيث تتحول الحياة إلى عرض دائم. ، تُدار فيه الأدوار تحت أعين السلطة في كل قطر من أقطار العالم .

وفي السياق المعاصر ، يمكن إسقاط ذلك على الحروب المنقولة مباشرة عبر الشاشات والفضائيات والمنصات ومواقع التواصل الاجتماعي ؛ فالضربات مصورة ، والأحاديث والتصريحات منقولة للعالم وهناك من يتربح عن التوظيف الإعلامي لهذا الصراع بالنفخ في النيران ،  وكأن العالم كله أصبح مسرحًا للخرس الصاخب ، في الوقت الذي يستمرئ فيه آخرون طعم الخرس العالمي لحصول المنفعة والمصالح الربحية منه ، أو الخوف!

 

في الرواية نجد الصمت يولّد التوتر ، وفي الواقع الصمت الدولي قد يولّد الانفجار ، وهذا ما يخشاه الناص د. يحيى خيرالله.

 

وهنا يمكن استدعاء مفهوم “العنف الرمزي” عند بيير بورديو، حيث لا يكون العنف دائمًا ماديًا، بل يبدأ كقهر غير مرئي ، قبل أن يتحول إلى فعل مباشر على نحو ما تنقله شاشات العالم وفصائياته ومنصاته الرقمية ومواقعه الإخبارية .

 

في ضوء هذه القراءة ، تكشف رواية “طعم الخرس”  عن بنية عميقة للصمت، لا تقف عند حدود الفرد ، بل تمتد لتشمل كلا من المجتمع الإنساني بكل دوله ونظامه العالمي الذي عجزت منظماته عن إسكات أزيز توحش المواجهات التي تؤز  الشعور بالاطمئنان من قلوب شعوب العالم.

 

وبذلك ، يمكن القول إن الرواية لا تكتفي برصد الخرس ، بل تكشف عن تحوّله إلى نظام كوني، تُدار فيه الصراعات بغير الكلمات، بل بالإشارات الصاخبة المفزعة بالصواريخ والقاذفات والمسيرات وحاملات الطائرات!

 

وكأنما رسالة النص منذ عام 2017 سنة نشر “طعم الخرس” تقول : لئن غاب الحوار فانتظر الانفجار.

.

هو الوعي السردي الذي يدرك أن  التخييل والوعي ليسا حدَّين متقابلين ؛ بل قوتان تشكلان معا معمار التجربة الروائية ؛  فالرواية لا تُبنى بما ترويه فحسب، بل بما تُجيد ابتكاره من طرائق تُحيل الحكاية من مادتها الخام إلى شكل يتسامى بمعناه، ويُثبت أن التقنية ليست زينة للنص، بل شرطا لوجوده .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى