مقالات

بين القاهرة والخليج… تاريخٌ لا تهزّه شائعات ولا تُفرّقه الفتن

بين القاهرة والخليج… تاريخٌ لا تهزّه شائعات ولا تُفرّقه الفتن

بقلم د. هاني عبده إبراهيم

في لحظات الاضطراب الإقليمي، حيث تتشابك المصالح وتتعاظم التحديات، يعلو – للأسف – صوتُ الفتنة على صوت العقل، وتجد بعض المنابر، عن قصد أو عن جهل، مساحةً لبث الفرقة بين شعوبٍ يجمعها التاريخ والمصير المشترك. ولعل ما يُثار مؤخراً من جدلٍ حول العلاقات المصرية الخليجية، ليس سوى نموذجٍ متكررٍ لمحاولات التشكيك في ثوابتٍ راسخة، أثبتت الأيام والوقائع صلابتها.

إن الحديث عن تباعدٍ بين مصر ودول الخليج، أو الترويج لمزاعم من قبيل تخلي طرف عن الآخر، أو التقليل من قدرات هذا الجيش أو ذاك، هو حديثٌ لا يصمد أمام أبسط قراءة موضوعية للتاريخ والجغرافيا السياسية. فالعلاقات المصرية الخليجية لم تُبنَ على ردود أفعالٍ آنية، ولا على مزاجٍ شعبي متقلب، وإنما تأسست على إدراكٍ عميق بوحدة المصير العربي، وعلى مصالح استراتيجية متبادلة لا تقبل المزايدة أو العبث.

حين يخطئ الصوت العالي… وتنتصر حقائق التاريخ

ولعل من الإنصاف – بل من الواجب – التذكير بمحطاتٍ تاريخية مفصلية تؤكد هذا الترابط. ففي أعقاب حرب الخليج الثانية، لم تتردد مصر في أن تكون ضمن التحالف الذي أعاد التوازن إلى المنطقة، انطلاقاً من التزامها بالأمن العربي المشترك. وقبل ذلك بسنوات، كانت دول الخليج في مقدمة الداعمين لمصر في أعقاب حرب أكتوبر، سياسياً واقتصادياً، إدراكاً منها أن قوة مصر هي ركيزة لاستقرار المنطقة بأسرها.

هذه الوقائع ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل هي شواهد حية على أن العلاقات بين مصر والخليج أعمق من أن تنال منها حملات إعلامية أو تصريحات فردية. فالدول، بخلاف الأفراد، تُدير علاقاتها وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، وليس وفق انفعالات عابرة أو ضجيج منصات التواصل.

ومن هنا، فإن الزج بالجيوش العربية – وفي مقدمتها الجيش المصري – في معارك كلامية عبثية، هو أمرٌ بالغ الخطورة. فالجيش المصري، بما يمتلكه من تاريخٍ وخبرةٍ وتراكمٍ مؤسسي، يظل أحد أعمدة الأمن الإقليمي، تماماً كما أن الجيوش الخليجية شهدت خلال العقود الأخيرة تطوراً نوعياً في التسليح والتدريب. وهذه حقيقة لا تعارض بينها، بل تكاملٌ تفرضه طبيعة التحديات الحديثة، التي لا يمكن لدولةٍ واحدة أن تواجهها بمعزل عن محيطها.

وحدة لا تُقاس بالتصريحات… بل تصنعها المواقف

أما ما يُروّج من أن هناك اصطفافات شعبية تؤيد هذا الطرف ضد ذاك، فهو – في جوهره – انعكاسٌ لقصورٍ في فهم طبيعة العلاقات الدولية. فالشعوب، مهما بلغت درجة وعيها، تبقى عرضة للتأثر بخطابات إعلامية موجهة أو معلومات منقوصة، بينما تحتفظ الحكومات بقنواتها الخاصة في إدارة الأزمات والتنسيق الأمني والعسكري. والحقيقة الثابتة أن دول مجلس التعاون الخليجي تدرك تماماً قيمة الشراكة مع مصر، كما تدرك مصر بدورها أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.

إن من يظن أن هذه العلاقات يمكن أن تُستبدل أو تُهمّش، يجهل أبجديات الجغرافيا السياسية في المنطقة. فمصر، بثقلها السكاني والعسكري، تمثل عمقاً استراتيجياً لا غنى عنه، ودول الخليج، بثقلها الاقتصادي وموقعها الحيوي، تشكل شرياناً أساسياً في منظومة الاستقرار العربي. وهذه المعادلة لم تتغير، ولن تتغير، مهما تعالت الأصوات التي تحاول التشكيك فيها.

أمنٌ واحد ومصيرٌ مشترك… ما لا تدركه أبواق الفتنة

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين النقد المشروع – وهو حقٌ مكفول – وبين التحريض على الفرقة، الذي لا يخدم سوى أعداء المنطقة. فحين يتحول النقاش إلى ساحة للتخوين أو التقليل من شأن الآخر، فإننا نكون قد انزلقنا إلى ذات الفخ الذي طالما حذّر منه العقلاء.

إن الحكمة تقتضي أن نُحسن قراءة اللحظة، وأن ندرك أن التحديات التي تواجه العالم العربي اليوم – من تدخلات إقليمية وصراعات نفوذ – لا يمكن مواجهتها إلا بوحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية. وأي خطابٍ يُضعف هذه الوحدة، هو – بوعي أو بغير وعي – خدمة مجانية لمن يسعى إلى تفكيك المنطقة.

وفي الختام، تبقى الحقيقة الأوضح: أن العلاقات بين مصر والخليج أكبر من أن تختزلها تغريدة، أو يشوهها مقطع مصور، أو يعبث بها أصحاب الأجندات الضيقة. إنها علاقة تاريخٍ ومصيرٍ ومصالح مشتركة، أثبتت قدرتها على الصمود أمام أعتى الأزمات.

ألا فاحذروا الفتنةَ إذا استعر أوارُها، فإنها نارٌ إذا اشتعلت لم تُبقِ وُدّاً ولم تذر حِلماً، تُلقي بين القلوب ضغائنَ، وتُورِث بين الإخوة قطيعةً، حتى يُصبح الحليمُ فيها حيرانَ، والرشيدُ سادرًا في غيِّه. وما الفتنةُ إلا سحابةُ شرٍّ إذا أقبلت أعمت الأبصارَ عن مواضع الحق، فيرى القريبُ بعيدًا، والوليُّ عدوًّا، ويُصغي الناسُ لكل ناعقٍ، حتى تضيع المكارمُ وتُهدر العهود. فدرؤها قبل وقوعها حزمٌ، وإخمادُها إذا ثارت عزمٌ، وفي كليهما نجاةٌ للأوطان وصونٌ للأحساب.

واذكروا، رحمكم الله، أن العربَ ما عزّوا إلا بوحدة كلمتهم، ولا هانوا إلا يوم تفرّقت أهواؤهم، فكانوا – إذا اجتمعوا – سداً لا يُثلم، وإذا اختلفوا كانوا نهباً لكل طامع. فلا تكونوا مطايا لأقوالٍ تُلقى بغير روية، ولا أسارى لأوهامٍ تُنسج بليل، فإن العاقل من كفّ لسانه عمّا يُفسد، وأمسك يده عمّا يُفرق، وجعل وِجهته جمع الشمل ورأب الصدع. فاحفظوا ما بينكم من وُدٍّ، وصونوا ما ورثتم من مروءةٍ، فإن في درء الفتنة بقاء العز، وفي اتّباعها هلاك الأمم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى