ثقافةمقالات

ذاكرة الغرفة وصمت الصندوق الأبيض – [2]

فتاة الكمان.. وثورة الشك!!!

| ” سلسلة خواطر ” | بقلم : الدكتور يحيى خيرالله

سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.

 

أما هو، فالصندوق الأبيض.

صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.

ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..

وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن  يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.

.

  • فتاة الكمان.. وثورة الشك!!! (2)

.

لم يكن الصوت غريبًا عليه، لكنه هذه المرة لم يكن مجرد أغنية، حين انساب لحن “ثورة الشك” في أرجاء الغرفة، شعر أن شيئًا ما في داخله يُعاد ترتيبه بعنفٍ هادئ، كأن الكلمات لا تُغنّى… بل تُستخرج منه. توقّف عند العتبة. الغرفة التي يعرفها جيدًا بدت كأنها تُعيد تعريف نفسها.

في الزاوية، قصرية زرع بأوراقٍ مائلة، كأنها تُصغي لشيءٍ خفي، وبجانبها ورد قرنفلٍ باهت، فقد نضارته دون أن يفقد حضوره؛ الراديو الخشبيّ يهمس بصوتٍ متقطّع، كأنه يتذكر أكثر مما يبث، بينما التلفزيون صامت، ببرودة شاهدٍ يعرف الحقيقة ولا يتدخّل.

تقدّم خطوة. على الطاولة، استلقى البايب، تفوح منه رائحة تبغٍ قديم، كأن أنفاس الأب ما زالت عالقة فيه، وبقربه، تراكمت الجرائد بعناية مبالغ فيها، كأنها تحاول أن تُخفي شيئًا بين سطورها… الروب معلّق خلف الباب، مائلًا قليلًا، يحتفظ بهيئة جسدٍ لم يعد يسكنه، وعصا من الأبنوس تستند إلى الحائط… لا تسند أحدًا.

كان كل شيء في مكانه. لكن كل شيء كان يحمل زيادةً لا تُرى… كأن الغرفة أثقل مما يجب. مدّ يده نحو الباب.
أراد المغادرة.

  لا هربًا من جدرانها فحسب، بل كان ذلك الهربُ من الذكريات التي كانت تتسلل إليه كهمسٍ ثقيلٍ لا يُطاق؛ لما كان صدره يضيق بضجيجٍ خفي، كأن أنفاس الماضي قد اجتمعت فيه دفعةً واحدة، وهي تضغط عليه وتطالبه بالبقاء حيث لم يعد يريد ذلك، مدّ يده نحو الباب، وقد عزم على أن يترك كل شيء خلفه: الضحكات القديمة، ظلال الوجوه، وتلك اللحظات التي لم تعد تمنحه سوى وجعاً صامتا.

إلا أن تلك اللوحة المعلقة في زاوية الغرفة، كانت لتفعل شيئًا مختلفًا؛ لم تكن مجرد ألوانٍ جامدة، بل كانت قوةً خفية تشده إليها رغمًا عنه، كأنها تعرف قراره وهي تقاومه. كانت فتاة الكمان تنظر إليه بعينين لا يمكن تجاهلهما، عينين تحملان سرًا يتجاوز حدود الرسم، سرًا يكاد يقفز منهما ليعترض طريقه.

توقف، مترددًا بين الرحيل والبقاء، بين أن يدفن الذكريات أو يواجهها. وفي تلك اللحظة الفاصلة، أدرك أن مفتاح السر لم يكن في الغرفة ولا في الماضي ذاته، بل في تلك النظرة العميقة التي تشع من عيني فتاة الكمان. كانت عيناهما تلتقيان بصمت، وكأنها تدعوه لفهم ما لم يفهمه بعد، لتخبره أن الرحيل ليس خلاصًا دائمًا، وأن بعض الأسرار لا تُترك خلف الأبواب المغلقة، بل تُحمل في الداخل حتى تُفك شفراتها.

نعم تُحمل في الداخل كسرٍّ لا يُقال، كأنّها أثرُ موجٍ بعيدٍ يطرق القلب ثم يختفي؛ تبقى هناك، متواريةً بين طبقات الصمت، تتحول ملامحها مع كل شعورٍ عابر، ولا تُدرك حقيقتها إلا حين تهدأ الضوضاء في الروح، وحينها فقط تُفكّ شفراتها، لا كحلٍّ كامل، بل كإضاءةٍ خفيفةٍ تكشف ما كان مختبئًا في العتمة.

وهكذا، لم يعد قراره بالرحيل مجرد خطوة نحو الخارج، بل تحول إلى صراع داخلي، تصنعه لوحةٌ صامتة، وتجسده عينا فتاةٍ تعزف على أوتار قلبه قبل كمانها.

أما المفتاح في عينيها فلم يكن تفصيلاً عابرًا في لوحةٍ جامدة، بل كان شقًا خفيًا في جدار الطمأنينة الذي شيّده الأب طوال سنواته. كانت تلك العينان تفتحان فيه بابًا لا يُغلق بسهولة، بابًا يتسرب منه شكٌّ بطيء لكنه عميق، يتسلل إلى كل ما بناه حول نفسه وحول حياته.

 بدأ يشك في كل شيء دون أن يجرؤ على الاعتراف: في تلك المقتنيات التي جمعها أبوه سرًا، وكأنها أرشيفٌ صامت لشيءٍ لم يُرِد أن يُقال، وفي العلاقات التي أحكم تنظيمها بعنايةٍ مبالغا فيها، كأنها تماثيل ثابتة لا يُسمح لها بالتحرك أو الانكشاف، وفي صمته الطويل الذي كان يراه علامة حكمة واتزان، فإذا به ينقلب في داخله إلى جدارٍ سميك يعزله عن نفسه قبل أن يعزل عن الآخرين، كان قيدا ناعما لا يُرى لكنه يثقل كل نفسٍ يتصاعد وينزل في أعماقه.

كلما ثبّت نظره في اللوحة، كان يشعر أن شيئًا فيه يتشقق دون صوت.

 كان الكمان هناك يبدو ساكنًا، بلا حركة، بلا حياة ظاهرة، لكنه في داخله لم يكن صامتًا أبدًا؛ كان يصرخ بطريقة لا يسمعها أحد، وكأن صوته الحقيقي لا يصل إلا إلى الأب وحده. يخاطبه هو دون سواه، يفتّش في ذاكرته، ويعيد ترتيب ما ظنه منسيًا.

 أما الفتاة، فعلى الرغم من سكونها الكامل داخل الإطار، كانت تتحول في إحساسه إلى كائنٍ حيّ يركض في دمه، يتنقل في عروقه كنبضٍ زائد، كأنها خرجت من حدود اللوحة لتسكنه هو، لا المكان.

 وجاءت الألوان التي بدت للعين ثابتة وهادئة على القماش، فقد كانت في داخله تتحول بين الحين والآخر إلى اشتعالٍ بطيء،

 إلى نارٍ لا تُرى لكنها تلتهم بصمت كل ما هو مستقر فيه.

ومع هذا التداخل العنيف بين ما يُرى وما يُحس، كان الانفجار يحدث داخله دون أن ينتبه أحد.

لم يكن انفجارًا يُحدث صوتًا أو يكسر شيئًا خارجيًا، بل كان انهيارًا داخليًا متواصلاً، يتكرر كل لحظة، يهدم بهدوءٍ مخيف جدارًا بعد جدار من الجدران التي بناها حول ذلك السر.

تلك الجدران التي ظنها يومًا حمايةً له، أصبحت اليوم تتصدع من الداخل، كأن عيني فتاة الكمان لا تفعل شيئًا سوى إعادة فتح ما أُغلق، وإجبار روحه على مواجهة ما حاول طمسه طويلًا، حتى صار لا يعرف إن كان يهرب من الماضي… أم يعود إليه رغماً عنه.

دائما كان الاب كان حريصا كل الحرص في أن يشاركه الابن كل شئون الغرفة، يرصّ الكتب، يمسح الغبار، يضبط الضوء، لكنه لم يفهم لماذا تتوقف يد الأب عند اللوحة وترتجف، لماذا يطيل النظر حتى تدمع عيناه، ثم يمسح الدمعة بكبرياء كأنه ينفض عنها غباراً لا يليق بها.

كان الأب دائمًا شديد الحرص على تلك الغرفة تحديدًا، كأنها ليست مجرد مكتب داخل البيت، بل مساحة مغلقة على سرٍّ لا يُسمح لأحد بلمسه.

كان يمنع حتى الخادمة من دخولها بحجة أن فيها أوراقًا حساسة تتعلق بعمله الشرطي، أوراقًا لا ينبغي أن تقع في يدٍ غريبة أو عينٍ عابرة؛ وكانت نبرة المنع نفسها تحمل شيئًا من الصرامة التي لا تقبل النقاش، وكأن الباب هنا ليس باب غرفة، بل حدٌّ فاصل بين ما يُقال وما يُخفى.
لم يكن يهرب من المكان، بل من ذلك الضجيج الخفي الذي بدأ يتجمع في صدره، كأن الماضي قرر أن يتنفس دفعة واحدة، لكن قبل أن يلمس المقبض… توقّف، هناك، في أعلى الجدار، كانت اللوحة.

فتاة الكمان.

لم تكن مجرد صورة.كانت حضورًا، تقدّم نحوها دون وعي، وكلما اقترب، تراجع كل شيء خلفه: البايب، الروب، الصوت… حتى نفسه، بقيت هي فقط….. عينان ثابتتان، لكنهما ليستا جامدتين، فيهما شيءٌ يتجاوز اللون، يتجاوز الرسم… يتجاوز الغرفة نفسها؛

شعر بشيء يتصدع داخله.

وفي تلك اللحظة، لم يعد يسمع الأغنية كما كانت بل فهمها.

ثورة الشك لم تكن في اللحن بل فيه، استدار فجأة، كأنه يبحث عن تفسير، فوجد أباه،

لم يكن دخوله مفاجئًا، كأنه كان حاضرًا منذ البداية، كان يقف بهدوء، البايب بين أصابعه، ينطفئ دون أن ينتبه، والروب ينسدل عنه كأنه لا يحتمل وزنه.

كان ينظر إلى اللوحة: بنفس النظرة.

عندها فقط، خرج السؤال الذي تأخر طويلًا:
لماذا هي؟

ابتسم الأب ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مريحة.
وضع البايب جانبًا، كأنه يضع عبئًا،
واقترب من اللوحة.

قال بصوتٍ منخفض:
لأن بعض اللوحات… لا تُشترى يا بني.”

سكت لحظة، ثم أضاف:
بعضها يُنجَب من الوجع.”

ارتجف شيء في صدر الابن.

هذه ليست فتاة كمان…”
تابع الأب، وعيناه معلّقتان بها،
هذه اللحظة التي كان يجب أن أعيشها ولم أفعل.”

تكسّر صوته قليلًا، لكنه أكمل:
هي الحلم الذي خفتُ عليه من الكسر… فكسرني.
لم أتزوجها… فتزوجت غيري نكاية في

ورغم ذلك .
هي ابنتي التي لم تولد
وحبيبتي التي لم تبق.”

صمت.

ثم قال، بصعوبة:
وأنا… اخترت أن أكون رجلًا عاقلًا… بدل أن أكون رجلًا...”

في تلك اللحظة، لم يعد في الغرفة أي صوت.
حتى الأغنية اختفت.

لكن “ثورة الشك” لم تنتهِ بل بدأت، فهم الابن فجأةأن البايب لم يكن عادة، بل صمتًا،
وأن الروب لم يكن ثوبًا، بل ظلًّا، وأن النظام الذي يملأ الغرفة لم يكن إلا محاولة لإخفاء فوضى قلبٍ خائف.

أما اللوحة فلم تكن ذكرى، كانت حلما لم يُعش؛ ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء، صار  يمسح الغبار عن البايب برفق،
ويعدّل الروب كما لو أنه يعيد ترتيب غيابٍ ما،
لكن اللوحة… ظلّت كما هي.

ثابتة.

تنتظر.

وذات ليلة، دخل الغرفة وحده.

لم يكن هناك صوت.
لا راديو، لا أغنية.

ومع ذلك… سمعها.

اقترب من اللوحة ببطء،
وعندها أقسم أنه رآها تتحرك.

طأطأت فتاة الكمان رأسها قليلًا،
كأنها تخجل… أو تعتذر.

لم يرتجف.

مدّ يده، ولمس اللون،

اقترب من اللوحة، ومسح بأصبعه على خدها الزيتي.

وقال بهدوء:: “لا تخجلي، أبي هو من كسر الكمان قبل أن يبدأ العزف. وأنتِ… أنتِ  كمن أراد أن يتخلص من البق فاحرق البيت كله وحوله إلى حطام.

“في تلك اللحظة، سقطت دمعة من عينه على اللوحة.

ذابت في اللون، وصارت جزءاً من الحمرة الباهتة، وصار السر الآن لهم ثلاثتهم.

سقطت دمعة من عينه،
امتزجت باللون،
وصارت جزءًا منها.

ابتسم ابتسامة خفيفة،
وأضاف:

وأنا… لن أكرر الخطأ.”

خرج من الغرفة.

لكن هذه المرة، لم يكن هروبًا.

كانت ثورة الشك قد انتهت
لا لأنها وجدت إجابة،
بل لأنها علّمته أن يعيش دون أن يخون سؤاله.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى