ثقافةقصصمقالات

ذاكرة الغرفة وصمت الصندوق الأبيض – [الجزء السابع] …

<<< فلسفة العقد الذي لا ينفرط >>> ...

◙ ” سلسلة خواطر “ بقلم : الدكتور / يحيى خيرالله

.

سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.

  

أما هو، فالصندوق الأبيض. صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.

 

ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..

 

وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن  يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.

 .

◙ هي على حالها.. فلسفة العقد الذي لا ينفرط …!!!

 .

أظنها أسعد لحظات عمره تلك التي يتوضأ فيها مع أول خيوط الفجر، يغسل وجهه فتغسل معه هموم الأمس، ويلبس ثوبه الأبيض كأنه يلبس الكفن استعدادًا للقاء، يضع العطر على كتفيه ويهمس: “توكلت على الله، اللهم إني أسألك من خير هذا اليوم وخير ما فيه”.

وبينما هو أمام باب الشقة يضع يده على المفتاح وقلبه على عتبة المسجد… توقف فجأة، استدار ببطء، كأن نداءً جذبه من قلبه لا من قدميه، أدار وجهه نحو باب مكتب الأب، كان الباب مواربًا، ومن شقّه الضيق يتسلل خيط ضوءٍ أصفر باهت يرسم على الأرض ممرًا من نور، كأنه يقول له:

– من هنا مرّ أبوك أربعين عامًا… فامضِ على الأثر.                                             

 في تلك اللحظة لم يعد يرى مكتبًا… رأى محرابًا، لم يعد يرى كرسيًا… رأى سجادة سجود بليت من دموع أبيه، فهم الرسالة قبل أن يدخل… العهد لا يبدأ بالخطوة خارج الباب… العهد        يبدأ بالخطوة نحو الداخل.                                                                           

هز رأسه كأنه يعيد ترتيب أفكاره، فرك عيناه، أخذ نفسا عميقا، أدار وجهه ناحية باب مكتب الأب فسكنت الدنيا للحظة، كأن الزمن نفسه خلع حذاءه احترامًا لحرمة المكان.

مدّ يده إلى باب المكتب العتيق، فاستيقظ المقبض البارد من سباته الطويل بأنينٍ خافت، انفرج الباب على استحياء، ففاح منه عبقٌ قديم ضمّ بين طياته رائحة الأوراق المصفرة، وخشب المسواك، وعبير المسك الذي كان يعطر ثوب أبيه كل جمعة، وتحت صورة فتاة الكمان، رقدت مبخرة العنبر الهندي كأنها تنتظره، تطلق خيوط دخانها لتكسو المكان بهالة صوفية تعانق حداثة الألوان والخطوط، فتجمع شتات السنين في كف رسمة فتاة الكمان.

المكتب غارق في عتمة الفجر، لكن شعاعًا من نور الشرفة تسلل خلسة عبر شق بالشباك، فوقع على المكتب كأنه إصبع من نور يشير حيث هناك… فوق المصحف المفتوح على سورة “يس”، كانت المسبحة ترقد في سبات عميق، وحبات الكهرمان الطبيعي تلألأت كأنها حبسَت شمسًا صغيرة بداخلها. باردة في ملمسها، دافئة بذكر من سبّح بها عمرًا، اقترب بخطى لا تكاد تُسمع، ورفعها بيد ترتعش، فإذا بها ثقيلة… ليس بوزنها، بل بوزن الذكريات.

همس لنفسه: “لقد اشتاقت إليّ… أم أنا من اشتقت؟” ولفّ الخيط الحريري حول أصابعه، فرك المسبحة ونفخ فيها، فبدأت الحبات تنزلق واحدة تلو الأخرى، وعادت إليها الحياة، وظلت تردد بصوت أبيه:

– سُبحان الله… الحمد لله… الله أكبر.

ومع حركة كل حبة، كان باب المسجد يزداد اتساعا ليستقبله، وقلبه يزداد يقينًا… كعريس ذاهب إلى لقاء حبيبه.

…لفّ المسبحة حول معصمه كأنها عهدٌ بينه وبين أبيه، وخرج

فإذا بالشارع يستقبل الفجر بصمت مهيب، الهواء بارد ندي، يحمل رائحة الطهر بعد الوضوء، وصوت الأذان يخرج من المئذنة البعيدة كخيط فضي يخيط ظلمة الليل بثوب النهار:           – الله أكبر… الله أكبر… حيّ على الصلاة… حيّ على الفلاح.

كانت خطواته إيقاعًا لهذا النداء، كل خطوة “الله أكبر”، وكل نفس “لا إله إلا الله”

ثوبه الأبيض يداعب قدميه فينساب كسحابة، يخترقها ضوء الفجر دون عناء… حتى صار وجهه مرآة لسماء بدأت تحمر خجلًا من بهاء الخالق، وقف عند باب المسجد… خلع حذاءه ووضعه برفق، كأنه يخلع الدنيا كلها عند العتبة.                                                

 همس: “اللهم افتح لي أبواب رحمتك”.  

دخل … فسكن قلبه، رائحة المسجد… مسكٌ قديم، وسجادٌ دافئ بحرارة سجود من سبقوه، الصفوف بيضاء كأجنحة ملائكة في انتظاره، المحراب يبتسم له كأنه يعرفه، تقدم للصف الأول، ليقف في المكان الذي اعتاده أبيه منذ سنين، سجادة الصلاة لا تزال محتفظة بانحناءة جبينه.

فرد سجادته الناصعة البياض بجانبها… كأن الابن يلتحف بظل الأب، اعتدل قائمًا… رفع يديه حذو أذنيه، والمسبحة الكهرمانية تتدلى من معصمه.

وانفلتت من صدره تكبيرة الإحرام… “الله أكــــبر” فاهتزت لها أركان المسجد، واهتز معها قلبه،

وفي تلك اللحظة… أقسَم أنه سمع همسة أبيه من السماء: “تقبل الله يا ولدي” فبدأ يقرأ… والفجر يصدع، والقلب يبكي، والكهرمان في يده يسبّح معه، “الله أكبر”… وانتهت رحلة العريس إلى لقاء الملك.                                                                       

وبينما هو يختم صلاته بالذكر، إذ بكفّ دافئ يربت على كتفه برفق، انتبه، فوجد رجلًا مسنًّا يفيض الفجر من وجهه نورًا، وابتسامته تحمل سعادة الكون بأسره، فشعر بها تنساب في صدره عذبًا سلسبيلًا.

 سمع همسًا رقيقًا:

– رحم الله أباك، كان يصلي الفجر في نفس المكان قرابة أربعين عامًا دون انقطاع، في جنة الخلد إن شاء الله.

مدّ يده ليسلّم على الرجل المسن، فإذا بيده تمتد في فراغٍ بارد، فلم يجد أحدًا، انتفض في مكانه، فانفرط عقد المسبحة فجأة:

– تك… تك…تك

صوت خافت، لكنه في سكون الفجر كان كصوت شرخ في القلب، فتوقف الزمن، لقد انحلّت العقدة القديمة في المسبحة، فتناثرت حبات الكهرمان على سجاد المسجد الأخضر كنجوم صفراء مشتعلة هوت من سماء الذكر.

حبة هنا… وأخرى هناك… وثالثة تدحرجت بعيدًا، كأنها تهرب حاملة اسم الله الأعظم لتطوف ارجاء المسجد، تجمد جسده كله، لم ينحنِ ليلتقطها بعد، عيناه تبحثان عن الرجل المسن، فإذا به يراه ضوءا ماثلًا مع كل حبة من حبات المسبحة، شعر أن قدميه تخوران، تجمدت عيناه على المشهد، حبات أبيه… مبعثرة كعمر انقضى، كدعوات لم تُردّ بعد.

همس بصوت مبحوح كأنه يخاطب الغيب:

– حتى أنتِ يا مسبحة أبي… أبيتِ أن تكملي معي الطريق؟.

جثا على ركبتيه ببطء الواجل، ويداه ترتجفان وهو يلتقط كل حبة كأنها شظية من روح أبيه، كل حبة يمسحها بطرف كمّه، ويقبّلها بخشوع، ويهمس: “سبحان الله”، حبة… ذكرى، حبة… دعوة كان أبوه يرددها له وهو صغير، حبة… سجدة بكى فيها الأب في جوف الليل، ولما جمع آخر حبة، ضمّها إلى صدره وانفجر باكيًا.  

إن بكاءه ليس بكاء ضعف… بل بكاء ابن أدرك الرسالة:

” العهد لا ينقطع بانفراط العقد… العهد يُعقد من جديد بكل حبة تلتقطها بيدك بحب… فبالحب وحده يُبرم الميثاق”.

وكأن الأب يجلس امامه في حنو برفقة الرجل المسن ويقول له:

– أتذكر حين كنت أحكي لك قصة حب حبيبنا ورسولنا محمد ﷺ لأمنا عائشة، كانت تسأله:    – كيف حبك لي؟.

 فيجيبها مبتسمًا:

 – كعقدة الحبل.

ومن حين لآخر كانت تسأله: “كيف حال العقدة يا رسول الله؟”، فيبتسم ويقول: “هي على حالها”.

اجمع حبات المسبحة على الحب، وكن دائمًا على حالها، مسح دموعه بطرف كمّه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا، ونهض وخرج… وكل خطوة كان يهمس لها:

– أبشري يا مسبحة أبي… سنكمل الذكر سويًّا، حبة حبة، حتى نلقاه.

لم يعد الابن على حاله كما دخل… عاد رجلًا أتمّ البيعة، فالعهد الذي انفرط… عاد أوثق بعقد من نور اسمه: الحب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى