بقلم: د. يحيى خيرالله

ألقى بنظره صوب صدره حيث مستقرها. هي دائماً مستوطنة في سويداء قلبه، تحتضن أناته وتعانق تلك الأنفاس الرقيقة. اشتاق إليها وإلى طلتها المبهجة التي تمنحه سر الحياة، بفرحها ودعاباتها الأنيقة. اعتاد في قمة انشغاله أن يتلصص بأنامله خفيةً على قلبه فيحسها مستقرةً فيه فيطمئن، فيبتسم. إنها قرنفلة الاسم والمعنى. قمة نشوته أن يلقي بنفسه إليها، فتضحك، فيختبئ فيها حتى تستسلم لبراءته. أطلق عليها العديد من الأسماء.. كان يناديها “يا أنا”… فتستدير مبتهجة… سعيدة… لها لقب آخر تسعد به وتقفز الفرحة من عينيها وتقاسيم وجهها وهي تلتفت إليه عندما يناديها… بينهما علاقة تبحث عن مسمى يليق بهما، يغار منها العشق والحب والهيام والوجد والوله والصبابة.
ثم وفجأةً، لم يجدها. انقبض قلبه ونهض فزعاً. أراد أن يتفحص عاصمة موطنها في صدره، فلم يحسها. النبض خافت يشعر به بالكاد، وكأن النبض يرحل بعيداً بعيداً، فيسقط على الأرض واضعاً كفه على فمه يستشعره بحرارة أنفاسه. أيقن حينها أنه ما زال حياً. تملكته الرعشة، تحسس دقات قلبه بكفه المرتعش، لملم ما تبقى من تلك الكلمات الشفافة، فتناثرت الحروف من فمه. رفع أكفه متضرعاً: إلهي.. هل رحلت القرنفلة؟ متى وكيف؟! لم تحمله قدماه، فخرَّ على الأرض وألقى بظهره على الحائط ليسنده، بعدما كانت هي سنده الدائم.
رحل السند ولا رثاء، فالموت إن كان برغبةٍ دفينةٍ أو عن طريق الانتحار سيان. ومثلما تحديد النهاية اختيارٌ فالرثاء كفرٌ بقانون الخالق. تسربت الدموع وانهمرت على خديه، وعاتب نفسه: كيف لا أرثيها؟!.. إنها القرنفلة.. وإن كانت قرنفلتي فلمَ لا أرثيها؟! لقد رحلت!!
لقد اختارت ملهمتي عالمها السرمدي على حساب وجوب حاجتي إليها. سأكتب على قبرها ما حُفر من كلماتٍ في صدري: كانت هنا ولا رثاء. لا.. لا.. ماتت ولا رثاء.. لا.. لا.. ما زالت تحيا في قلب يحيى.. وعلى الرغم من كل ذلك لا أستطيع التوقف عن الدعاء لها… وسأصلي لها في محرابي كل يومٍ ألف صلاةٍ.. دون رثاء.. حتى ونحن نرثي أحياءً كُثراً في حياتنا وإن كانوا لا يستحقون الرثاء.. يقف الأمر عند حدود التأبين والشكل الاجتماعي.. تطبيقاً لحكمة الطيبين: اذكروا محاسن موتاكم.




