منوعات

على كتف امرأة… ينحني التاريخ خجلاً بقلم نجلاء جميل غزة فلسطين

على كتف امرأة…
ينحني التاريخ خجلاً
بقلم نجلاء جميل
غزة فلسطين

في هذا اليوم، لم أكتب عن المرأة بوصفها أختًا، أو ابنةً، أو زوجة، بل أكتب عن أمٍّ…
عن تلك التي عبرت أعاصير الموت وتنقّلت بين أهوال الخوف والجوع والتشريد والنزوح، وما زالت تقف هناك تحت وطأة الوجع ودهاليز الألم، كأنها آخر ما تبقّى من الحياة.
أتحدث بصفتي أمًّا أولًا، ثم كامرأة غزيّة حفرت جذورها في ذاكرة الأمة، لا لتُذكر، بل لتبقى شمسا لا تغيب، حتى وإن باغتها الضباب أحيانًا.
نحن الأمهات—وبكلّ صدق—لم نكن نملك رفاهية السؤال منذ أكثر من عامين ونصف: كيف نجونا؟
لا من الموت، بل من السقوط كلّه.
كيف لأمٍّ أن تتماسك دون أن تسقط، وهي ترى ابنها يُؤخذ منها: قتلًا، ضربًا، غيابًا بلا عودة، أو تعذيبًا أمام مرآها؟
كيف لها أن تُقنع قلبها بالحياة، والمستقبل الذي راهنت عليه يتسرّب من بين أصابعها كالماء؟
كيف تصنع من دموعها العليلة بين ضلوعها جسرًا تعبر به ببقايا أبنائها نحو ما تبقّى من العمر؟
فأي قلب تمتلك؟
الإجابة بسيطة: قوة الله فيها فقط لا غير.
تأخذنا الهواجس أحيانا …
أيعقل أن تكون تلك الأم التي دفنت ابنها صباحًا، أو تلك التي كانت في عملها خارج بيتها تتلقى خبر رحيل عائلتها بأكملها ، وأخرى تكشف عن وجه مريضها لتجد صوتها ينهار على صدره ، ووو..
أيعقل أن تكون هي ذاتها التي تقف مساءً مستقيمة كأنها لم تنكسر، خلف كواليس الحياة؟
تجمع شتات وجعها وتؤجّل سقوطها قليلًا لأجل من تبقّى.
وكأن يومها لا ينتهي، بل يبدأ من جديد، في عراك صامت مع الحياة.
من نافذة ضيقة، يطل عليها أمل خجول ليأذن لها بمصارعة التفاصيل الصغيرة التي لم تعد صغيرة.
تفاوض الخبز كي يكفي، والماء كي يدوم، والنوم كي لا يخذل عيون صغارها.
تقف ما بين الواجب والمسؤولية ، ما بين الكبرياء والخذلان تُحيك النهار بإبر الصبر، وتُرقع الليل بما تبقّى من قوة لا تعرف من أين تأتي.
تناديه دومًا جهرًا وسرًّا ليأخذ بيدها.
حتى أبسط الأشياء أصبحت معركة: إعداد وجبة بما لا يكفي، إخفاء خوفها كي لا يتسرّب إلى قلوبهم، ابتسامة مرتجفة تُقنع بها طفلًا أن الغد—ربما—أخف وطأة.
تتعثّر في تفاصيل لا تُرى، لكنها تثقل الروح في ترتيب يوم بلا ملامح، وفي إقناع قلبها أن الاعتياد على الألم ليس نجاة، بل تأجيل للانهيار.
ومع ذلك، تمضي، كأن في صدرها وعدًا خفيًا أن لا يُسدل الستار، ما دام النهار يُنفض عن ثياب الليل غبار الغياب ،
وألّا ينطفئ الضوء ما دام في عينيها بقايا سهر وبقايا أمّ.
تلك الأم .. لا تُقاس بما فقدت، ولا بما نزف من عمرها،
بل بما تبقّى فيها رغم كل ما كان كفيلًا بأن يُنهيها.
هي لا تعيش من أجل الحياة،بل لأنها اختارت—كل يوم—
أن تؤجّل موتها قليلًا، كي تُوصل أبناءها قارب نجاة.
هي ليست بطلة كما يُقال، ولا أسطورة تُروى،
بل قلب امتلك نعمة الرضا،وأُجبر أن يكون أكبر من احتماله..
فعلى هذه الأرض،
#امرأة تستحق الحياة؛ لأنها ما زالت تمنح الحياة.
#وعلى هذه الأرض، امرأة بحجم وطن…
#هنا_غزة
#لكل_امرأةكانت_ومازالت_تُسابق_النّورفي_عيون_اللّيل.

رحم الله كلّ أمّ روت هذه الأرض بدمها الطّاهر،وجمعنا بهن في عليين، ورحم أمهاتنا وأمهات جميع المسلمين.
21 مارس آذار .

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى