مقالات

هرمز، فتيل العالم: من حرب الظل إلى حافة الصراع المفتوح

هرمز، فتيل العالم: من حرب الظل إلى حافة الصراع المفتوح

الملخص
في قلب النظام الطاقي العالمي، يعود مضيق هرمز ليشكّل بؤرة أزمة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ والاستراتيجية والحرب الهجينة. بين الهجمات على السفن، وتصاعد الضغوط المتبادلة، والدور الأكثر حدة لإسرائيل، يزداد خطر الانزلاق نحو صراع مفتوح. تراقب إيطاليا الوضع وتستعد، فيما يعيد لبنان فتح خط صدع لم يُغلق فعليًا.

كريستينا دي سيلفيو

هناك نقطة في العالم تتحول فيها الجغرافيا من خلفية صامتة إلى قرار استراتيجي دائم. مضيق هرمز هو هذه النقطة بالضبط: ممر بحري ضيق يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة حيوية من تدفقات الطاقة العالمية تُقدَّر بنحو خُمس النفط العالمي وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. إنه خط رفيع، كلما اهتزّ أعاد تشكيل ميزان النظام الدولي بأكمله.

لكن هذه المرة، لا تأخذ الأزمة شكل حصار تقليدي أو مواجهة مباشرة. بل تبدو كضغط مستمر، كحدٍّ يتقدم ويتراجع دون أن يستقر. خلال الساعات الأخيرة، وصفت مصادر أمن الملاحة وتقارير وكالة رويترز سفن شحن تتعرض لإطلاق نار أو تهديد أثناء العبور، ما أجبر طواقمها على قرارات فورية: إبطاء، تغيير المسار، أو الإبحار في ممرات غير مضمونة.

وليس تفصيلاً ثانوياً أن أكثر من اثنتي عشرة ناقلة نفط تمكنت في الفترة نفسها من عبور المضيق، وفق بيانات رويترز، ولكن في ظروف وُصفت بأنها “غير قابلة للتنبؤ” ومتقلبة للغاية. بعض السفن الخاضعة للعقوبات عبرت إلى جانب سفن تجارية غير محمية، بينما تلقت أخرى تحذيرات عبر الاتصالات اللاسلكية من وحدات إيرانية. إنها ملاحة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت تفاوضاً لحظياً.

وتضيف تحليلات وكالة أسوشيتد برس بعداً إضافياً: لا يوجد حصار معلن، بل استراتيجية “تضييق تدريجي”. نموذج يسمح لإيران بممارسة السيطرة والضغط دون إعلان إغلاق رسمي للمضيق، مما يبقي المجال السياسي والعسكري مفتوحاً. وفي موازاة ذلك، يُعتقد أن الحرس الثوري كثّف عمليات التشويش والسيطرة الانتقائية على حركة السفن.

سياسياً، موقف طهران واضح: مضيق هرمز يُعتبر ورقة سيادة غير قابلة للتفاوض. وربطه مباشر بالعقوبات وبالحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية. في المقابل، تواصل واشنطن سياسة الضغط الأقصى، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكن في إطار هشّ ومجزأ وغير مستقر.

في هذا السياق شديد التوتر، يظهر عنصر يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي: دور إسرائيل في المواجهة الاستراتيجية مع إيران. ليست ساحة واحدة، بل شبكة ضغوط تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج، وتخلق ديناميكية متسارعة من الفعل ورد الفعل، حيث تتقلص المساحات الدبلوماسية تدريجياً.

الخليج وبلاد الشام: خط صدع واحد

لا يمكن قراءة أزمة هرمز بمعزل عن تطورات لبنان، حيث وصلت التوترات إلى نقطة حساسة جديدة.

في جنوب لبنان، أدى هجوم على دورية تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) إلى مقتل جندي فرنسي وإصابة ثلاثة آخرين. وقد اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حزب الله بالمسؤولية المباشرة، فيما فتحت السلطات اللبنانية تحقيقاً رسمياً.

لكن الأهم أن الحادث ليس معزولاً. ففي الوقت نفسه، استهدفت ضربات إسرائيلية جنوب لبنان، ما كشف هشاشة وقف إطلاق النار الذي يبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى استقرار فعلي. من جهته، يرفض حزب الله أي مسار تفاوضي فعّال مع إسرائيل، ويؤكد استمرار خيار “المقاومة”.

هنا تبدأ الأزمتان بالتداخل. الخليج يصبح ساحة ضغط طاقي وبحري، ولبنان يتحول إلى نقطة تماس عسكري مباشر. إيران تمثل المحور الرابط بين الجبهتين، وإسرائيل تمارس ضغطاً استراتيجياً مستمراً عبر الإقليم، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على الإطار الدبلوماسي دون القدرة على تثبيته.

وفي هذا الفراغ، تتحرك أوروبا بين المراقبة والاستعداد العملياتي. إيطاليا، بقيادة جورجيا ميلوني، أعلنت استعدادها للمشاركة في مهمة بحرية لحماية الملاحة في المضيق، لكنها ربطت القرار بموافقة البرلمان. وهو مؤشر على تحول محتمل من المراقبة إلى الحضور الفعلي في مسرح عالي الخطورة.

النقطة الحاسمة اليوم ليست فقط إدارة الأزمة، بل مسارها الذاتي. لا أحد من الفاعلين يبدو راغباً في حرب مفتوحة، لكن مجموع التحركات ينتج عكس ذلك: نظام يتغذى على نفسه، حيث كل خطوة تولّد رد فعل، وكل رد فعل يرفع مستوى التصعيد.

في هذا المعنى، لم يعد هرمز مجرد ممر استراتيجي. بل أصبح مؤشراً عالمياً على عدم الاستقرار. وما يقيسه اليوم ليس فقط حركة السفن، بل قدرة العالم على البقاء داخل حدود الأزمة دون تجاوزها.

لم تعد أزمة إقليمية. إنها اختبار لصمود النظام العالمي بأكمله.

كريستينا دي سيلفيو
اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى