الحدثالعالممقالات

◙ خرائـــط النـــار …

◙『 ضربة بهذا الحجم رسالة استراتيجية كبرى، لشل جزء أساسي من قدرات الدولة الإيرانية، ودفعها إلى زاوية رد الفعل...』

◙ بقلم – الدكتور م. وائل الشهاوي

لم تعد المنطقة تحتمل مزيداً من العبث، ولم يعد ما يجري مجرد توتر عابر يمكن احتواؤه بتصريح دبلوماسي أو اتصال هاتفي.

 

نحن أمام لحظة فارقة، لحظة تُكتب فيها خرائط جديدة بالنار، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى على حساب استقرار شعوب كاملة.

 

ما يحدث الآن ليس مجرد تصعيد… بل بداية انزلاق خطير نحو مواجهة شاملة، عنوانها الأبرز: “حرب الطاقة” التي قد تجر الجميع إلى حافة الهاوية.

 

القصة بدأت بضربة إسرائيلية نوعية استهدفت واحدة من أخطر وأهم ركائز الاقتصاد الإيراني، وهي منشآت الغاز في حقل “بارس الجنوبي” بمنطقة عسلويّة قرب بوشهر.

 

هذه ليست منشأة عادية يمكن تعويضها بسهولة، بل هي شريان حيوي يغذي ما يقرب من 40% من احتياجات إيران من الغاز، ويؤمّن الطاقة لملايين المنازل والمصانع.

 

ضربة بهذا الحجم لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها رسالة استراتيجية كبرى، تستهدف شل جزء أساسي من قدرات الدولة الإيرانية، ودفعها إلى زاوية رد الفعل.

 

الأخطر من الضربة نفسها، هو الإعلان الصريح عنها. فبدلاً من سياسة “الإنكار المعتاد”، خرجت إسرائيل مدعومة بمواقف واضحة من الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، لتؤكد أن ما جرى كان مقصوداً ومدروساً.

 

بل إن الخطاب الأمريكي ذهب أبعد من ذلك، متحدثاً عن خطوات تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني وإنهاء نفوذ ما يُسمى بـ”رعاة الإرهاب”، في إشارة واضحة إلى أن ما يحدث ليس ضربة تكتيكية، بل جزء من استراتيجية أكبر.

 

الرد الإيراني لم يتأخر كثيراً، لكنه جاء هذه المرة بصيغة مختلفة. لم تكتفِ طهران بالتهديد التقليدي، بل أعلنت بشكل مباشر أن منشآت الطاقة في الخليج أصبحت ضمن بنك أهدافها.

 

وهنا تحديداً تبدأ الخطورة الحقيقية. لأن نقل الصراع إلى هذه الدائرة يعني أن الحرب لم تعد محصورة بين طرفين، بل أصبحت مهددة بالتمدد إلى قلب المنظومة الاقتصادية العالمية، حيث النفط والغاز وخطوط الإمداد التي يعتمد عليها العالم بأسره.

 

دول الخليج التقطت الرسالة سريعاً. بدأت تحركات احترازية على الأرض، من إخلاء بعض المواقع الحيوية، إلى رفع درجات التأهب في منشآت الطاقة، وصولاً إلى إجراءات تتعلق بالطيران المدني وتحذيرات للمدنيين. حتى الخطاب الإعلامي، الذي كان في كثير من الأحيان يميل إلى التهدئة، بدأ يعكس حالة من القلق الواضح.

 

لأن أي استهداف حقيقي لمنشآت الطاقة في هذه الدول لن يكون مجرد ضربة عسكرية، بل زلزال اقتصادي يضرب المنطقة والعالم معاً.

 

لكن السؤال الأهم هنا: من المستفيد من هذا السيناريو؟

 

الإجابة، وإن كانت صادمة للبعض، إلا أنها واضحة لمن يقرأ المشهد بعمق. الولايات المتحدة، التي تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط، لن تكون المتضرر الأكبر في المدى القريب.

 

كما أن “إسرائيل”، التي طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات كبيرة في مجال الغاز وحققت درجة من الاكتفاء الذاتي، ليست في موقع الضعف حالياً. في المقابل، فإن أي اضطراب في إمدادات الطاقة من الخليج سيؤثر مباشرة على قوى دولية كبرى، وعلى رأسها أوروبا والصين.

 

أوروبا، التي تعاني بالفعل من أزمات طاقة متكررة، قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة، ربما تعيد فتح الباب أمام تفاهمات مع روسيا، بما يحمله ذلك من تعقيدات سياسية تتعلق بالحرب في أوكرانيا.

 

أما الصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة، فستكون من أكثر الأطراف تضرراً، وهو ما ينعكس بدوره على مشاريع كبرى مثل “الحزام والطريق” التي تراهن عليها بكين لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

 

في قلب هذا المشهد المعقد، تقف مصر في موقع مختلف تماماً. فهي ليست طرفاً مباشراً في هذا الصراع، لكنها في الوقت ذاته لا تملك رفاهية تجاهله.

 

فالأمن القومي المصري مرتبط بشكل وثيق باستقرار الإقليم، وأي انفجار كبير في الخليج ستكون له تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الداخل المصري، سواء اقتصادياً أو أمنياً.

 

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحرك الدولة المصرية بسرعة، عبر اتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. هذه التحركات لا تظهر دائماً في العلن، لكنها تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة اللحظة، ومحاولة للحفاظ على خيط رفيع من التوازن وسط بحر من التوتر.

 

في الوقت ذاته، بدأت مصر اتخاذ إجراءات داخلية تحمل طابعاً احترازياً، تتعلق بترشيد استهلاك الطاقة وتنظيم بعض الأنشطة، وهي خطوات قد يراها البعض بسيطة، لكنها في الواقع تعكس قراءة استراتيجية لاحتمالات تطور الأزمة.

 

فالدول التي تفهم طبيعة “حروب الاستنزاف” تدرك أن الاستعداد المبكر هو الفارق بين الصمود والانهيار.

 

المشكلة الحقيقية ليست في ضربة هنا أو تهديد هناك، بل في المسار الذي تتجه إليه الأمور.

 

فكل طرف يتحرك وفق حساباته الخاصة، لكن النتيجة النهائية قد تكون كارثية على الجميع. إدخال المنطقة في دوامة صراع مفتوح لن يحقق استقراراً لأحد، بل سيعيد المنطقة سنوات طويلة إلى الوراء، ويفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

 

ما يحدث اليوم هو اختبار حقيقي للوعي السياسي في المنطقة.

 

هل تستمر الدول في السير كلٌ وفق حساباته الضيقة، أم تدرك أن ما يجري أكبر من أي خلافات، وأن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي أصبح مسؤولية جماعية؟

 

التاريخ القريب مليء بالدروس، لكن المشكلة دائماً ليست في غياب الدروس، بل في تجاهلها.

 

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: المنطقة تقف على حافة انفجار حقيقي، وأي خطأ في الحسابات قد يدفعها إلى ما لا تُحمد عقباه.

 

وبينما تتصاعد النيران في أكثر من اتجاه، يبقى الأمل معقوداً على أن تنتصر لغة العقل قبل أن تُفرض لغة القوة.

.

حفظ الله مصر، وحفظ شعوب المنطقة من سيناريوهات لا يعلم مداها إلا الله.

.

كاتب المقال:

الدكتور م. وائل الشهاوي

الخبير المتخصص في شئون الأمن القومي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى