[ الفارس والتنين ] ؛ رواية بقلم / د. محمدهناءالدين


في هذه الصورة حكاية أكبر من مجرد فارس يمتطي جوادا أبيض ويطعن تنينا أسود. إنها حكاية الصراع الأزلي بين القوة التي تحمي والقوة التي تلتهم، بين من يمتلك السلاح ليصون الحياة ومن يمتلكه ليجعل حياة الآخرين رهينة بين يديه.
لكن السؤال الذي تطرحه الصورة ليس من انتصر في المعركة، بل كيف وصل التنين إلى هذه النهاية؟
وهل سقط لأنه كان ضعيفا، أم لأنه بالغ في الاعتقاد بأن قوته تمنحه الحق في إخضاع الآخرين؟
وهنا تبدأ الحكاية التي تشبه واقعنا أكثر مما نظن.
في حياتنا السياسية والاجتماعية والإنسانية، كثيرا ما يظهر التنين في هيئة أشخاص أو جماعات أو مؤسسات أو حتى أفكار. يبدأ الأمر بقوة مشروعة أو نفوذ مكتسب، ثم تتحول القوة تدريجيا إلى شعور بالتفوق، ويتحول النفوذ إلى رغبة في السيطرة، ويصبح الاختلاف تهديدا، والنصيحة عداء، والنقد مؤامرة، وكل من يرفض الانحناء خصما ينبغي التخلص منه.
التنين لا يسقط دائما لأن خصمه أقوى منه، بل قد يسقط لأنه لم يعد يرى أحدا يستحق أن يستمع إليه. يتصور أن الخوف الذي يفرضه احترام، وأن الصمت الذي يحيط به دليل اقتناع، وأن الذين يبتسمون في وجهه يحبونه، بينما هم في الحقيقة ينتظرون اللحظة التي يستطيعون فيها التنفس دون خوف.
وهذه واحدة من أخطر خدع السلطة والنفوذ أن يخلط الإنسان بين قدرته على إجبار الآخرين على الطاعة وبين قدرته على إقناعهم بأنه يستحقها.
وعلى الجانب الآخر يقف الفارس، لكن الفارس الحقيقي ليس كل من يحمل سيفا، ولا كل من يرفع شعار الحق، ولا كل من يعلن أنه يحارب الفساد أو يدافع عن الوطن أو ينتصر للمظلومين. فكم من فارس بدأ معركته مدافعا عن العدالة ثم أغرته القوة، وكم من ثائر على الظلم تحول بعد انتصاره إلى نسخة أخرى منه، وكم من شخص رفع راية المبادئ حتى وصل إلى المكان الذي يستطيع فيه التخلي عنها دون خوف من الحساب.
لهذا لا يكفي أن نهزم التنين، بل ينبغي أن نضمن ألا يتحول الفارس نفسه إلى تنين جديد.
وإذا أسقطنا الصورة على واقعنا، فسنكتشف أن المعركة ليست دائما بين أشخاص، بل بين منطقين في إدارة الحياة.
منطق يرى أن القوة مسؤولية، وأن المنصب تكليف، وأن المال وسيلة، وأن القانون يجب أن يحمي الجميع، وأن كرامة الإنسان لا تسقط بسبب فقره أو ضعفه أو اختلافه.
ومنطق آخر يرى أن الأقوى هو الأحق، وأن صاحب النفوذ فوق المساءلة، وأن الضعيف خُلق ليطيع، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن من يملك القدرة على إيذاء الآخرين يستطيع أن يفرض عليهم روايته للأحداث.
الأول يبني دولة ومجتمعا يمكن للناس أن يعيشوا فيه بكرامة، والثاني قد يحقق انتصارات سريعة، لكنه يزرع تحت قدميه أسباب سقوطه.
وفي واقعنا المصري، كما في غيره من المجتمعات، نحتاج إلى أن نتأمل هذه المعاني بعيدا عن التعميم والأحكام الجاهزة. فلا كل صاحب سلطة تنين، ولا كل معارض فارس، ولا كل من يرفع شعار الوطنية على حق، ولا كل من ينتقد مخطئ. المعيار الحقيقي هو الفعل، والعدل، واحترام القانون، والقدرة على التمييز بين النقد المسؤول والتشهير، وبين حماية المجتمع واستغلال الخوف، وبين هيبة الدولة وتحويل الهيبة إلى حصانة من المحاسبة.
الدولة القوية ليست تلك التي لا يسمع فيها أحد صوتا معارضا، بل تلك التي تستطيع حماية أمنها ومؤسساتها وحقوق مواطنيها في الوقت نفسه. والمؤسسة التي تستمد احترام الناس من انضباطها وعدالتها أقوى من مؤسسة لا تستمد حضورها إلا من الخوف. والمسؤول الذي يقبل المحاسبة لا يفقد هيبته، بل يمنحها أساسا أكثر رسوخا.
وفي حياتنا اليومية، قد لا نحتاج إلى رمح ولا إلى درع كي نواجه تنينا. أحيانا يكون التنين مديرا يعتقد أن منصبه يمنحه الحق في إهانة مرؤوسيه، أو صاحب مال يستغل حاجة الفقراء، أو شخصا داخل الأسرة يجعل الحب أداة للابتزاز، أو صديقا لا يتذكر المعروف إلا ليطالب بثمنه، أو إنسانا يبرر أخطاءه باستمرار بينما يحول أخطاء الآخرين إلى جرائم لا تُغتفر.
والأشد إيلاما أن بعض التنانين لا تعرف أنها كذلك؛ لأنها اعتادت أن تجد حولها من يبرر لها، ومن يخشى مواجهتها، ومن يصفق لها كلما تجاوزت حدودها. وحين يتوقف هؤلاء عن التصفيق، تتكشف الحقيقة التي أخفاها الضجيج طويلا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بنهاية الصورة. فالتنين الساقط ليس دليلا على أن كل معركة تنتهي بانتصار الخير، ولا أن كل قوي ظالم سينهار، ولا أن أصحاب المبادئ ينتصرون دائما في التوقيت الذي نريده. الواقع أكثر تعقيدا، والعدل لا يتحقق بمجرد تمني سقوط الظالم، بل يحتاج إلى وعي وتنظيم وقانون وشجاعة وصبر، وإلى مراجعة مستمرة حتى لا تفسد الغاية الوسيلة.
أما القمر المضيء في أعلى الصورة، فأراه المعنى الذي يجب ألا يغيب عنا وسط صخب المعارك أن هناك دائما ما هو أكبر من المنتصر والمهزوم، وأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يستطيع فعله، بل بما يرفض أن يفعله رغم قدرته عليه.
قد يهزم الفارس التنين في معركة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الانتصار. هل يعيد سلاحه إلى غمده حين تنتهي الحاجة إليه؟ هل يحفظ كرامة من لم يقاتلوه؟ هل يلتزم بالقواعد التي طالب الآخرين باحترامها؟ أم يظن أن انتصاره يمنحه الحق في كل شيء؟
فالخطر ليس في أن نعيش بين التنانين فقط، بل في أن نعتاد منطقها حتى يصبح جزءا منا.
وفي النهاية، ليست العبرة بأن يظل التنين تحت حوافر الجواد الأبيض إلى الأبد، فالحياة لا تعرف انتصارا أبديا ولا هزيمة أبدية. العبرة أن نتعلم كيف نواجه القوة حين تتجبر، وكيف نحمي الضعيف دون أن نظلم غيره، وكيف ننتصر دون أن نفقد إنسانيتنا.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يهزمه التنين، بل أن يهزمه التنين مرة، ثم يقضي بقية عمره محاولا أن يصبح مثله.




