فايل المطاعني: أنا الحكواتي الذي يروي من وجدان عُمان.. والحكاية لم تنتهِ بعد

فايل المطاعني: أنا الحكواتي الذي يروي من وجدان عُمان.. والحكاية لم تنتهِ بعد
إدارة الحوار : زينب على درويش
مع الكاتب العماني: فايل المطاعنى
«حارس الذاكرة الوطنية يُبحر بين دفء العائلة، فلسفة الحياة، وتوثيق تاريخ رجال الوطن»
بين أصالة الذاكرة العُمانية وعمق التجربة الإنسانية، يطل علينا الكاتب والقاص والإعلامي العُماني فايل المطاعني؛ القلم الذي يرى في الكلمة مرآة للروح وبوابة للتغيير. عرفناه “حكواتيًا” يروي من وجدان عُمان، يُعيد للطفل وللإنسان لذة الاستماع والدهشة منذ انطلاق مشروعه الأدبي والتربوي من فلج الصعراني، وكاتبًا ينقب في أعماق النفس البشرية عبر مجموعته القصصية (جريمة على شاطئ العشاق) وغيرها من الأعمال القريبة من نبض الشارع مثل (هيفاء) و*(نادية)*.
فايل المطاعني ليس مجرد حكواتي ينسج الذكريات، بل هو شاعر وروائي وإعلامي، عضو الجمعية العمانية للكتاب والجمعية العمانية للملكية الفكرية، ومؤرخ شغوف يرى في توثيق السير الوطنية حفظًا لذاكرة الأمة من النسيان. يرى أن الكتابة تجرّد وتجلٍّ، وأن القوة الحقيقية تكمن في فهم الذات واستخرج العبر. في هذا الحوار الشامل والشفاف، يفتح لنا أبواب ذاكرته وفلسفته، ليتحدث عن مواجهة الصدمات، ودفء العائلة، وتوثيق تاريخ الشخصيات الوطنية، وشغف الحكاية الذي لا ينتهي.
محور التجربة الإنسانية والفلسفة الذاتية
* كيف يتعامل فايل المطاعني مع الصدمات الوجدانية وتقلبات الحياة؟
أستحضر دائمًا قول الله تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في كبد»؛ فأنا أعتقد أن الإنسان خُلق وهو في حالة كفاح مستمر. نحن منذ لحظة ولادتنا نخوض معارك الحياة من أجل تأمين أنفسنا وتحقيق أحلامنا والمحافظة على من نحب، ولذلك فإن التعرض للصدمات أمر وارد جدًا.
الصدمات الوجدانية مؤلمة، وبعضها يترك أثرًا طويلًا، لكنني تعلمت أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش أسيرًا لصدمة أو ذكرى. نتألم، نعم، نحزن، نبكي أحيانًا، ثم نكمل الطريق. الحياة لا تتوقف عند محطة واحدة، والحكواتي لديه دائمًا حكاية أخرى تنتظره.
* ما هي أول وظيفة عملت بها في حياتك؟ وما الأثر الذي تركته في تكوين شخصيتك؟
أول وظيفة عملتها في حياتي كانت بائع بلح! وكان عمري وقتها عشر سنوات فقط. أسند إليّ والدي هذه المهمة، وربما كان يريد أن يعلمني مبكرًا قيمة العمل والاعتماد على النفس.
ومن يومها عرفت أن العمل ليس عيبًا، وأن الإنسان لا يصغر عندما يعمل، بل يكبر عندما يتعلم كيف يتحمل المسؤولية.
وربما كانت تلك أول وظيفة رسمية في تاريخ الحكواتي… قبل أن أتحول لاحقًا إلى بائع للحكايات والذكريات! (مع فارق بسيط أن البلح كان ينفد أسرع من الحكايات).
* ماذا تعني لك “المغامرات العفوية” وكيف تختزل ذكريات الطفولة؟
المغامرات العفوية هي تلك الأشياء التي تحدث دون تخطيط، وأحيانًا بالصدفة، وأحيانًا أخرى نحن الذين نضع أنفسنا فيها!
مثلًا عندما ترى شجرة مانجو عالية، وتشتهي ثمرة منها، ولا تستطيع الوصول إليها، تبدأ في رمي الحجارة أو أي شيء تجده أمامك حتى تسقط المانجو… وطبعًا كل هذا يحدث دون علم أصحاب البيت! وبعدها تبدأ المغامرة الحقيقية: كيف تأخذ المانجو وتهرب قبل أن يراك أحد! هكذا كانت طفولتنا، بسيطة، عفوية، وفيها كثير من المغامرات التي لا يمكن أن تحدث اليوم إلا في مذكرات الولد الشقي.
* كيف يصف الكاتب فايل المطاعني مفهومه الخاص للصداقة؟
الصداقة شيء كبير جدًا بالنسبة لي، وأنا أقدس الصداقة الحقيقية. أجمل ما يمكن أن تمنحه لك الحياة هو أصدقاء صالحون، يقفون معك دون مصلحة، ويفرحون لفرحك ويحزنون لحزنك.
الصديق الحقيقي ليس الذي يضحك معك فقط، بل الذي يبقى بجانبك عندما تختفي الضحكات.
وأنا محظوظ لأن الحياة منحتني أصدقاء ما زالوا جزءًا من عمري وذكرياتي، وبعضهم تحول من صديق إلى أخ لم تلده أمي.
* أين ومتى يجد فايل المطاعني هدوءه النفسي الحقيقي؟
أشعر بالهدوء النفسي الحقيقي عندما أجلس مع أبنائي، ونجتمع حول طاولة واحدة، وربما نأكل من صحن واحد، كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا.
أنا أقدس الحياة الأسرية والحياة الزوجية، وأرى أن أجمل لحظات الإنسان ليست في الأماكن الفخمة ولا في السفر، وإنما عندما يكون بيته ممتلئًا بأصوات أبنائه وضحكاتهم.
أحب أن يكون أبنائي موجودين في لحظات الاجتماع على طاولة الطعام، لأن الطعام ليس مجرد أكل، بل مناسبة للحب والكلام والضحك، وأحيانًا لتبادل الأخبار والنقاشات.
باختصار: هدوئي النفسي اسمه العائلة.
* ما هي طقوسك اليومية البسيطة بعيدًا عن صخب العمل؟
لدي طقوس بسيطة، وربما سأكشف هنا سرًا لا يعرفه كثيرون: أنا أحب الطبخ!
نعم، الحكواتي يستطيع أن يكتب قصة، وربما يطبخ قصة أخرى في المطبخ!
أحب أيضًا متابعة الأخبار، والقراءة، وممارسة الرياضة. أحاول قدر الإمكان أن يكون يومي متوازنًا بين العمل والقراءة والكتابة والاهتمام بالصحة.
لكن تبقى القراءة والكتابة جزءًا أساسيًا من يومي، حتى عندما لا أكتب شيئًا، أشعر أن هناك حكاية تدور في رأسي وتنتظر الوقت المناسب للخروج.
* كيف يعيش فايل المطاعني أجواء شهر رمضان بين ذكريات الماضي وواقع الحاضر؟
رمضان بالنسبة لي له ذاكرة خاصة جدًا. في طفولتنا كان رمضان أكثر بساطة، لكنه كان مليئًا بالفرح. كنا ننتظر الإفطار، ونجتمع مع الأهل والجيران، ونخرج بعد صلاة التراويح، وكانت البيوت مفتوحة والناس أقرب إلى بعضهم البعض.
أتذكر أن رمضان في الماضي كان يعيش في الشارع والبيت والمسجد، أما اليوم فأصبح جزء كبير منه يعيش في الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي!
ما تغير هو شكل الحياة، وسرعتها، ووسائل التواصل، وربما تغيرت بعض العادات، لكن هناك أشياء لا أريد لها أن تتغير: اجتماع الأسرة، وصلاة التراويح، ورائحة الطعام قبل المغرب، وفرحة الأطفال وهم ينتظرون الأذان.
رمضان بالنسبة لي ليس شهرًا في السنة فقط، بل ذاكرة عمر.
* ما الذي يتغير في طريقة تفكيرك ورؤيتك للأمور من عام إلى آخر؟
كل عام يمر يضيف إلى الإنسان درسًا جديدًا، ولذلك من الطبيعي أن تتغير طريقة تفكيرك.
في الماضي ربما كنت أتعامل مع بعض الأمور بعاطفة أكبر، أما اليوم فأصبحت أكثر هدوءًا في الحكم على الأشياء والناس. تعلمت أن ليس كل معركة تستحق أن تخوضها، وليس كل كلمة تستحق أن ترد عليها.
العمر لا يمنحنا الحكمة وحده، بل التجارب هي التي تفعل ذلك.
كل سنة أحاول أن أكون أقل غضبًا، وأكثر فهمًا للناس، وأكثر اقتناعًا بأن لكل إنسان ظروفه وحكايته التي قد لا نعرفها.
وأهم شيء تعلمته: أن السلام النفسي أهم من الانتصار في كثير من المعارك.
* خضت تجارب ثقافية متعددة في سفرك بين فرنسا وعُمان.. ما الأكلات التي أحببتها وما أبرز المواقف الطريفة؟
أنا بطبيعتي أحب تجربة الأكلات الشعبية في أي بلد أزوره، لأن الطعام جزء من ثقافة الشعوب، ومن خلال المائدة تستطيع أن تتعرف على الناس كما تتعرف عليهم من خلال الكتب.
في فرنسا جربت العديد من الأكلات المحلية الفرنسية، وبعضها أحببته كثيرًا، وبعضها كنت أتذوقه وأنا أحاول أن أبدو فاهمًا في فنون الطعام العالمية، بينما داخلي يقول: «أين الشواء العماني والرز؟»
أما في عُمان، فلا منافس للأكلات التقليدية التي تربينا عليها، لأن طعمها مرتبط بالذاكرة والبيت والأهل والمناسبات.
وبصراحة، هناك أكلات فرنسية جميلة جدًا، لكن مهما تنوعت المطابخ يبقى للطعام العماني مكانته الخاصة في القلب والمعدة معًا!
أما المواقف المضحكة فهي كثيرة، خصوصًا عندما لا تعرف اسم الطبق، أو تحاول أن تعرف مكوناته بعد أن تأكل نصفه، وهنا تبدأ مرحلة الصدمة الثقافية والغذائية في الوقت نفسه!
* بين مسؤوليات العمل والتحول إلى عالم الكتابة.. هل تشعر أنك تغير جلدك أم يعيشان في اتحاد؟
لا، لا أشعر بأنني أغير جلدي أو أعيش شخصيتين منفصلتين. أنا في حالة اتحاد مع الكتابة.
الكتابة لا تنتظرني حتى أعود إلى البيت وأجلس أمام مكتبي. أحيانًا تأتي الفكرة وأنا في العمل، أو في الطريق، أو أثناء حديث عادي مع شخص.
لذلك أحمل دائمًا دفترًا صغيرًا أكتب فيه رؤوس أقلام أو كلمات مختصرة، حتى لا تضيع الفكرة الرئيسية من ذهني.
الإلهام لا يستأذن، وإذا قرر أن يزورك فعليك أن تفتح له الباب بسرعة!
ولهذا أقول دائمًا: أنا لا أبحث عن الحكايات، الحكايات هي التي تجدني… وللعلم أنا لست حكواتي فقط، أنا شاعر وروائي وإعلامي.
محور التوثيق التاريخي ورسالة الكتابة
* اهتممت بتوثيق السير الذاتية لرجال الوطن والذاكرة التجارية في عُمان، مثل آل الحشار؛ ما الذي يدفعك ككاتب للتنقيب في تاريخ الشخصيات الوطنية؟
ربما لأنني لا أحب أن أرى التاريخ يمشي إلى النسيان.
أنا في الأصل كاتب وقارئ شغوف بالتاريخ، والحكواتي جزء من هويتي الأدبية، لكنه ليس كل هويتي. وعلاقتي بالتاريخ ليست علاقة قارئ يبحث عن المعلومة فقط، وإنما علاقة إنسان يريد أن يفهم كيف عاش الذين سبقونا، وكيف بنوا حياتهم، وكيف تركوا أثرهم في وطنهم ومجتمعهم.
ولهذا عندما أقترب من شخصية تاريخية أو وطنية، لا أتعامل معها باعتبارها اسمًا وتاريخ ميلاد ووفاة وأعمالًا فقط، وإنما أحاول أن أبحث عن الإنسان الذي يقف خلف الاسم.
ومن هنا جاءت تجربتي مع أسرة آل الحشار الكرام.
لم أكتب عن شخصية واحدة ثم انتهى الأمر، وإنما وجدت نفسي أمام سلسلة من السير التي تمتد عبر أجيال متعاقبة؛ بدأت بتوثيق سيرة الشيخ ناصر بن علي الحشار، رحمه الله تعالى، ثم انتقلت إلى سيرة أخيه الشيخ جمعة بن علي الحشار، رحمه الله تعالى، ثم سيرة الشيخ خميس بن جمعة بن علي الحشار، رحمه الله تعالى، وصولًا إلى ابنه الشيخ محمد بن خميس الحشار، حفظه الله تعالى.
وهنا شعرت أنني لا أكتب سيرًا منفصلة، وإنما أقرأ فصلًا من تاريخ عُمان من خلال أسرة عُمانية كريمة، لها حضورها في التجارة والمجتمع، ولها ذاكرتها التي تستحق أن تحفظ.
ثم جاء تكليفي بالكتابة عن الشيخة الدكتورة ريم بنت محمد بن خميس الحشار، وهي طبيبة عُرفت بالكرم والأدب، وتنتمي إلى أسرة كريمة لها حضورها في تاريخ المجتمع العُماني. وقد أسعدني هذا التكليف كثيرًا، لأنني أرى في توثيق سيرتها توثيقًا لنموذج نسائي جمع بين العلم وحسن الخلق والثقافة، وهو جانب مهم من الذاكرة التي ينبغي أن نحفظها للأجيال القادمة.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال أكبر: ماذا يحدث لو لم نوثق هذه السير؟
الجواب بسيط ومؤلم في الوقت نفسه: ستبقى بعض الأسماء، لكن ستضيع التفاصيل، وستختفي الأصوات، وتندثر المواقف، ولن يعرف الجيل الجديد كيف عاش أولئك الذين سبقوه.
لذلك أنا أكتب؛ أكتب لأنني أؤمن أن التوثيق نوع من الوفاء، وأؤمن كذلك أن الكاتب لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للحكاية، بل عليه أن يبحث، ويقرأ، ويدقق، ويقارن، ويستمع إلى أصحاب التجربة، ثم يقدم التاريخ للقارئ بصورة تحفظ الحقيقة وتحترم صاحب السيرة.
أما الحكواتي الذي بداخلي، فوظيفته تأتي بعد ذلك؛ فهو الذي يقول للتاريخ: «تعال… اجلس هنا، واحكِ لنا كيف كانت عُمان».
وهذه بالنسبة لي ليست مجرد كتابة، بل محاولة لأن أضع بين يدي الأجيال القادمة شيئًا من ذاكرة وطنهم. فالأشخاص يرحلون، لكن سيرهم يمكن أن تبقى. والمال قد يُورث، والمباني قد تتغير، والأسواق قد تتبدل، لكن الحكاية الموثقة تستطيع أن تعبر الزمن.
* كتبت سابقًا عن “الكتاب الذي غيّر حياتك” وعن مفهوم الشجاعة ومواجهة الخوف؛ كيف يمكن لكتاب أو فكرة أن تعيد صياغة نظرة الإنسان للحياة ولنفسه؟
أنا أؤمن أن الإنسان قد يتغير بسبب فكرة أكثر مما يتغير بسبب حدث.
قد تقرأ كتابًا كاملًا ولا تتوقف إلا عند صفحة واحدة، أو ربما جملة واحدة، لكنها تدخل داخلك وتبقى هناك سنوات.
وأنا ككاتب وقارئ شغوف بالتاريخ، أجد أن الكتب تمنحنا فرصة نادرة: أن نعيش أكثر من حياة.
عندما أقرأ عن رجل عاش قبل مئة عام، فأنا لا أقرأ عن الماضي فقط، بل أتعلم منه شيئًا عن الحاضر. وعندما أقرأ عن إنسان واجه الخوف وانتصر عليه، أسأل نفسي: وماذا عن خوفي أنا؟
الكتاب الحقيقي لا يقدم لك إجابة جاهزة، وإنما يجعلك تطرح السؤال الصحيح على نفسك؛ وهنا تبدأ عملية التغيير.
قد يجعلك كتاب تعيد النظر في علاقة، أو قرار، أو حلم أهملته، أو خوف سمحت له أن يتحكم فيك سنوات.
وأنا أعتقد أن الشجاعة ليست غياب الخوف؛ الشجاعة أن تعرف أنك خائف، ثم تقول لنفسك: «سأمضي رغم ذلك».
ولهذا أرى أن القراءة ليست ترفًا، وإنما وسيلة لإعادة بناء الإنسان من الداخل.
والأجمل أن الكتاب عندما يكون عظيمًا، لا تنتهي علاقتك به عندما تصل إلى آخر صفحة.
أحيانًا تغلق الكتاب، لكن الكتاب لا يغلقك أنت؛ يبقى داخلك، يغير شيئًا في طريقة تفكيرك، وربما يعيد ترتيب جزء من حياتك دون أن تشعر.
* تصف نفسك دائمًا بأنك “حكاية لم تنتهِ بعد”؛ ما الفكرة أو العمل الأدبي الذي يتخمر في رأسك حاليًا وتنتظر اللحظة المناسبة لخروجه إلى النور؟
أنا فعلًا حكاية لم تنتهِ بعد، وربما هذه أجمل مشكلة يمكن أن يعيشها الكاتب!
كلما انتهيت من حكاية، ظهرت لي حكاية أخرى وقالت: «وماذا عني؟»
رأسي مليء بالأفكار والمشاريع، بعضها شخصي، وبعضها تاريخي، وبعضها مستمد من حكايات أشخاص التقيتهم أو قرأت عنهم.
وأنا في هذه المرحلة أشعر أنني أريد أن أواصل السير في الطريقين اللذين أحببتهما: الكتابة من الذاكرة، والكتابة من التاريخ.
في الكتابة من الذاكرة أعود إلى نفسي، إلى طفولتي وشبابي وتجربتي في الحياة، وهذا ما أفعله في مشروع “مذكرات رجل مشاغب”.
أما في الكتابة التاريخية والتوثيقية، فأنا أخرج من ذاتي لأبحث عن ذاكرة الآخرين، وأحاول أن أحفظ سير أشخاص ربما لو لم تُكتب سيرهم لضاعت تفاصيل مهمة من تاريخ المجتمع.
وتجربتي مع سير شيوخ آل الحشار الكرام كانت بالنسبة لي رحلة جميلة في هذا الاتجاه؛ من الشيخ ناصر بن علي الحشار، إلى أخيه الشيخ جمعة بن علي الحشار، ثم الشيخ خميس بن جمعة بن علي الحشار، ثم الشيخ محمد بن خميس الحشار، وصولًا إلى الشيخة الدكتورة ريم بنت محمد بن خميس الحشار.
وهذا النوع من الكتابة يجعلني أشعر أنني لا أمسك قلمًا فقط، وإنما أمسك خيطًا من الذاكرة وأحاول ألا ينقطع.
لذلك عندما أقول إنني “حكاية لم تنتهِ بعد”، فأنا أقصدها بكل ما فيها.
ما زلت أقرأ. ما زلت أبحث. ما زلت أكتب.
وما زالت هناك شخصيات تنتظر أن تُروى سيرتها، وذكريات تنتظر أن تُستعاد، وحكايات لم تجد بعد من يقول لها: «تعالي… حان وقت أن يسمعك الناس».
وربما هذه هي أجمل مهمة يمكن أن يمنحها الله للكاتب: أن يحول الذاكرة إلى كلمات، والكلمات إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة لا تموت.
أما الحكواتي الذي بداخلي، فما زال واقفًا عند باب الحكاية، يبتسم ويقول:
«لا تغلقوا الكتاب… فالحكاية لم تنتهِ بعد».
الخاتمة
في ختام هذا الحوار المليء بالشفافية والعمق، ندرك أن السر الحقيقي في تجربة الكاتب والإعلامي فايل المطاعني يكمن في تصالحه مع ذاته ووفائه للذاكرة العُمانية؛ فهو لا يروي الحكاية لمجرد السرد، بل يعيشها بكل وجدانه لتكون جسرًا يعبر الأجيال. بين دفء المائدة العائلية وحكم السنين، وبين توثيق سير رجال الوطن وصفاء التأمل في النفس، يظل يمارس حبه الأصيل للحياة وللإنسان. يتركنا المطاعني في هذا الحديث أمام حقيقة صادقة: أن الأشخاص يرحلون لكن الأثر يبقى، وأن الحكاية الموثقة قادرة على عبور الزمن. نتوجه بالشكر والامتنان للأستاذ فايل المطاعني على هذا العطاء الثقافي، متمنين له دوام التألق في كل نص وقصيدة وسيرة يخطها بقلمه.




