
بقلم: أ.د.أشرف سليمان
أستاذ الاجتماع الريفي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية وأستاذ الأمن الغذائي والسياسات الزراعية بجامعة كيوتو باليابان سابقاً
.
«إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، أمة محكوم عليها بالتبعية والفناء».. “مصطفى كامل”

لم تعد الزراعة في مصر قطاعا إنتاجيًا عاديًا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياسة أو الاستراتيجية، بل أصبحت إحدى ركائز البقاء الوطني في عالم تتزايد فيه الاضطرابات. فالغذاء لم يعد مجرد سلعة في الأسواق، وإنما تحول في لحظات تاريخية كثيرة إلى أداة ضغط ومساومة، بل إلى سلاح سياسي مباشر. ومن ثم فإن الحديث عن الزراعة في مصر هو في جوهره حديث عن الأمن القومي بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
أولا: حين يتحول الغذاء إلى أداة سياسية
يكشف تاريخ العلاقات الدولية أن الغذاء استخدم مرارا وسيلة للضغط السياسي. فقد سحبت الولايات المتحدة المعونة الغذائية المقدمة إلى مصر في إطار برنامج «الغذاء مقابل السلام» خلال الستينيات، في سياق التأثير على القرار السياسي المصري المتعلق بالصراع في اليمن. وفي عام 1994 لوحت مرة أخرى بورقة الغذاء في سياق ضغوط مرتبطة بمسار المفاوضات مع إسرائيل.
كما استخدم هنري كيسنجر المعونة الغذائية أداة للسياسة الخارجية في الشرق الأوسط، حيث ارتبط تقديم الحوافز الغذائية بمواقف بعض الدول من مبادرات السلام. وفي أوائل السبعينيات طُرحت أفكار تتعلق بفرض حظر غذائي على الدول العربية ردا على المقاطعة النفطية، بل جرى التفكير في صيغة تشبه «أوبك للحبوب».
وقد امتد توظيف الغذاء سياسيًا إلى سياقات أخرى، فقد استخدم جيمي كارتر حظر الحبوب ضد الاتحاد السوفيتي عام 1980 بعد غزو أفغانستان، كما فرض حظر على الحبوب ضد إيران عقب ثورة 1979 وأزمة الرهائن. كما قد أدى الحظر التجاري في العراق في العام 1991 وحتى إطلاق برنامج «النفط مقابل الغذاء» عام 1996 إلى تدهور حاد في الأوضاع الغذائية.
هذه الوقائع جميعها تؤكد أن من لا يملك غذاءه لا يملك قراره كاملا، وأن الاعتماد المفرط على الخارج في السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والزيوت والسكر، يظل نقطة ضعف هيكلية يمكن النفاذ منها في لحظات الأزمات.
ثانيا: تداعيات الحرب الأوكرانية وكشف هشاشة الاستيراد
جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتكشف بوضوح حجم المخاطر الكامنة في الاعتماد على أسواق محددة لتأمين السلع الاستراتيجية. فروسيا وأوكرانيا كانتا من بين أكبر موردي القمح إلى مصر، وقد شكلتا معا نسبة كبيرة من وارداتها خلال السنوات التي سبقت الحرب. ومع اندلاع الحرب في 2022، تعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت الأسعار العالمية للقمح إلى مستويات قياسية، وواجهت الدول المستوردة، وفي مقدمتها مصر، تحديات غير مسبوقة في تدبير الاحتياجات وتأمين المخزون الاستراتيجي.
لم تكن الأزمة مجرد ارتفاع في الأسعار، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على المناورة، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي. وهنا برزت بوضوح أهمية كل أردب قمح ينتج محليًا، وكل صنف عالي الإنتاجية يوفر مياها ويقاوم الأمراض ويزيد الغلة. لقد أكدت الحرب أن الأمن الغذائي والسيادة الغذائية ليست مجرد شعارات تنموية، بل خط دفاع أول في قضايا الاستقلال الوطني.
ثالثا: الطفرة الإنتاجية ثمرة البحث العلمي المنظم
إذا نظرنا إلى الداخل المصري، نجد أن ما تحقق في مجال الإنتاج الزراعي في العقود الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة جهد علمي مؤسسي متراكم.
فقد ارتفعت إنتاجية فدان القمح من نحو 5 إلى 6 أرادب في الخمسينيات إلى أقل من 10 أرادب حتى الثمانينيات، ثم بدأت في الارتفاع خلال التسعينيات لتصل إلى 10 أو 12 أردبا، قبل أن تقفز في القرن الحادي والعشرين إلى متوسط يقترب من 18 إلى 20 أردبا للفدان، مع تسجيل أكثر من 25 أردبًا في بعض الحقول الإرشادية. ويعادل الأردب 150 كجم، ما يعني أن بعض النماذج التطبيقية تجاوزت 4 أطنان للفدان.
ولم يقتصر التطور على القمح، فقد تضاعفت إنتاجية الأرز وأصبحت مصر من الدول ذات المعدلات المرتفعة عالميًا فيه، كما شهد قطاع الخضر والفاكهة نموا ملحوظا، حيث بلغت الصادرات نحو 7.5 مليون طن في 2023.
ويرجع هذا التقدم إلى استنباط أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض مثل جيزة 171 وسدس 14 ومصر 1 إلى 3، إلى جانب تطوير نظم الري والزراعة على المصاطب وتحسين المعاملات الزراعية. كما شهدت المساحة المنزرعة توسعا أفقيا اقترب من 10 ملايين فدان، وبلغت مساحة القمح في 2024 نحو 3.25 مليون فدان.
السؤال المحوري، من الذي قاد هذا التحول؟ الإجابة تقود مباشرة إلى مركز البحوث الزراعية، بما يضمه من معاهد متخصصة في المحاصيل الحقلية والبساتين ووقاية النباتات والأراضي والمياه والهندسة الزراعية وغيرها، وبما يملكه من خبرات تراكمت عبر عقود طويلة.
رابعا: أزمة توجيه البحث الاجتماعي الزراعي
ورغم هذا التقدم، يلاحظ في بعض مسارات البحث الاجتماعي الزراعي انصراف عن قضايا جوهرية مثل الفقر الريفي والتهميش، والاهتمام المفرط بدراسات الشركات الزراعية الكبرى أو بعض مشروعات التنمية غير محددة الأثر. وفي أحيان كثيرة تنشغل المناقشات بإجراءات شكلية تتعلق بالخطة والمنهج، بينما يغيب السؤال الأهم، ما القيمة المضافة التي يقدمها البحث للواقع الزراعي ولصانع القرار.
إن استكمال الجهد التقني بمعرفة اجتماعية عميقة للبنية الريفية وأنماط الحيازة والعلاقات الإنتاجية يعد ضرورة، حتى تتكامل أدوار البحث الزراعي في بعديه الطبيعي والاجتماعي، ويصبح أكثر التصاقا بقضية الأمن الغذائي.
خامسا: مركز البحوث الزراعية بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، البعد الاستراتيجي الشامل
إذا كان مفهوم الأمن الغذائي يشير إلى قدرة الدولة على توفير الغذاء بالكميات المناسبة وبأسعار ملائمة، فإن مفهوم السيادة الغذائية يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فهو لا يكتفي بتوافر الغذاء، بل يؤكد حق الدولة والمجتمع في تحديد سياساتهما الزراعية والغذائية بصورة مستقلة، والتحكم في موارد الإنتاج الأساسية، وعلى رأسها الأرض والمياه والبذور والمعرفة.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يكفي أن يكون الغذاء متاحا في الأسواق كما في – الحالة المصرية – حتى وإن كان مستوردًا، بل تصبح المسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بمدى قدرة الدولة على إنتاج غذائها اعتمادا على مواردها الذاتية، وبمدى تحكمها في البنية المعرفية والتكنولوجية التي يقوم عليها هذا الإنتاج. ومن هنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لمركز البحوث الزراعية، ليس فقط بوصفه رافعة للإنتاجية، بل باعتباره إحدى أدوات ترسيخ السيادة الغذائية.
1- في مجال البذور والموارد الوراثية، يمثل استنباط الأصناف الوطنية عالية الإنتاجية والمقاومة للأمراض تجسيدا عمليا لفكرة السيادة. فحين تمتلك الدولة أصنافها المتأقلمة مع بيئتها، وتحتفظ ببنوك جينات وموارد وراثية محلية، فإنها تقلل اعتمادها على الشركات العالمية متعددة الجنسيات في مجال التقاوي، وتحصن نفسها من تقلبات السوق ومن القيود التكنولوجية. إن التحكم في البذرة هو في جوهره تحكم في الحلقة الأولى من سلسلة الغذاء.
2- في إدارة الموارد الطبيعية، يضطلع المركز بدور محوري في بحوث الأراضي والمياه، وتحسين خصوبة التربة، ومواجهة التملح والتدهور، وتطوير نظم الري الحقلي. وفي سياق ندرة المياه والتغيرات المناخية، يصبح تطوير أصناف أقل استهلاكا للمياه وأكثر تحملا للإجهادات البيئية عنصرا مركزيا في تعزيز السيادة الغذائية، لأنه يضمن استدامة الإنتاج تحت ظروف محلية ضاغطة، دون ارتهان كامل للحلول الخارجية.
3- لا تنفصل السيادة الغذائية عن البعد الاجتماعي، فالإنتاج القومي لا يقوم فقط على كفاءة التكنولوجيا، بل أيضا على تمكين صغار الزراع الذين يشكلون شريحة واسعة من الحائزين في مصر. وهنا يتكامل دور البحث التقني مع البحث الاجتماعي الزراعي؛ فمركز البحوث الزراعية، عبر معاهده المختلفة، مطالب بأن يطور حلولا قابلة للتطبيق في الحيازات الصغيرة، وأن يراعي الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين، من حيث كلفة المدخلات، وإمكانية الوصول إلى التقاوي المحسنة، ونظم الزراعة الملائمة لأوضاعهم.
إن إدماج مفهوم السيادة الغذائية يعني أن البحث العلمي لا يستهدف فقط زيادة الغلة، بل يستهدف أيضا تقليص الفجوات الاجتماعية، والحد من التهميش الريفي، وتعزيز قدرة صغار المنتجين على البقاء والمنافسة. فكلما أصبح الفلاح الصغير قادرا على الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا الوطنية، كلما تعززت القاعدة الإنتاجية المحلية، واتسع نطاق الاعتماد على الذات.
4- يؤدي المركز دورا استراتيجيا في تقديم المعرفة لصانع القرار، فالتخطيط للتركيب المحصولي، وتحديد أولويات الاستنباط، وإدارة المخزون الاستراتيجي، ومواجهة الأزمات الدولية، جميعها ترتبط بقدرة الدولة على امتلاك معلومات دقيقة وتحليلات علمية متقدمة. وهنا يتجاوز دور المركز حدود المختبر والحقل، ليصبح شريكا في صياغة الرؤية الوطنية والمحلية للغذاء، من منظور يجمع بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية معا.
5- في عالم تتزايد فيه القيود التجارية والتكنولوجية، تصبح القدرة المحلية على البحث والابتكار الزراعي جزءا من معادلة القوة الشاملة للدولة. فكما تمثل القدرات الصناعية أو التكنولوجية ركيزة للسيادة، تمثل القدرات البحثية الزراعية ركيزة لسيادة القرار الغذائي. ومن ثم فإن الاستثمار في المعامل، وتطوير الكوادر البحثية، وتمويل البرامج طويلة الأمد، لا يعد مجرد إنفاق على قطاع إنتاجي، بل هو استثمار في الاستقلال الاستراتيجي.
إن النظر إلى مركز البحوث الزراعية من منظور مزدوج، الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، يكشف عن عمق دوره في بنية الأمن القومي المصري. فهو ليس فقط منتجا للمعرفة، بل حارسا للموارد الوراثية، ومطورًا للتكنولوجيا الوطنية، ومساندا لصغار الزراع، ومستشارا لصانع القرار. وكل دعم يوجه إليه، ماليًا ومؤسسيًا وبشريًا، هو في حقيقته تعزيز لقدرة الدولة على أن تطعم شعبها بقرارها، وبمواردها، وبعلمها الوطني.
وبذلك يصبح البحث الزراعي في مصر ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل ممارسة سيادية ممتدة، تتقاطع فيها اعتبارات الإنتاج والكفاءة مع اعتبارات العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، في إطار رؤية شاملة للأمن القومي.
ونخلص إلى أن الخبرات التاريخية قديمًا وحديثًا تميط اللثام عن أن الغذاء ليس مجرد مسألة إنتاج واستهلاك، بل هو عنصر مركزي في معادلة القوة والاستقلال. فقد أثبتت وقائع تسييس المعونات والحظر التجاري، كما أكدت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أن سلاسل الإمداد العالمية قابلة للاهتزاز، وأن الاعتماد المفرط على الخارج في السلع الاستراتيجية يضع الدول أمام اختبارات قاسية في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن الزراعة شأنا قطاعيا ضيقا، بل أصبح جزءا أصيلا من التفكير في الأمن القومي.
غير أن التجربة المصرية عبر العقود الماضية أظهرت في المقابل أن البحث العلمي الزراعي قادر على إحداث تحولات هيكلية حقيقية، سواء في مضاعفة الإنتاجية، أو في تحسين كفاءة استخدام الموارد، أو في تطوير أصناف متأقلمة مع البيئة المحلية. وهذه التحولات لم تكن نتاج مبادرات فردية متفرقة، بل ثمرة عمل مؤسسي منظم تقوده بنية بحثية وطنية في مقدمتها مركز البحوث الزراعية.
ومع تطور النقاش من مفهوم الأمن الغذائي إلى مفهوم السيادة الغذائية، تتسع الدائرة المفاهيمية لتشمل ليس فقط توافر الغذاء، بل الحق في تحديد السياسات الزراعية، والتحكم في الموارد الوراثية، وإنتاج المعرفة الوطنية، وتمكين صغار الزراع من الوصول إلى التكنولوجيا. وفي هذه المساحة الأوسع يتأكد أن دور مركز البحوث الزراعية يتجاوز حدود زيادة الغلة أو تحسين التوصيات الفنية، ليصبح جزءا من مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الغذاء والسيادة.
إن القدرة على إنتاج البذور محليا، وصون الموارد الوراثية، وتطوير تقنيات ملائمة لظروف الندرة المائية، ودعم الحيازات الصغيرة بحلول عملية، كلها مكونات لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة نسبيا، قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية. وكلما تعززت هذه القاعدة، ازدادت قدرة الدولة على المناورة، واتسعت مساحة القرار الوطني الحر في مواجهة الضغوط الدولية.
من ثم فإن دعم مركز البحوث الزراعية، بما يضمه من باحثين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا مؤسسيًا أو بندًا في موازنة قطاعية، بل باعتباره استثمارا استراتيجيا في القوة الشاملة للدولة. فالدول التي تمتلك معرفة إنتاج غذائها، وتمتلك أدوات تطوير هذه المعرفة، وتربطها ببنيتها الاجتماعية والريفية، تكون أقدر على حماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وفي النهاية، يمكن القول إن معركة الغذاء في مصر ليست معركة محصول بعينه، ولا موسمًا زراعيًا بعينه، بل هي معركة ممتدة تتعلق بقدرة الدولة على الجمع بين الإنتاج والكفاءة والعدالة والسيادة. وفي قلب هذه المعركة يقف مركز البحوث الزراعية باعتباره العقل العلمي الذي يخطط، ويطور، ويحصن. وكل خطوة نحو تقويته هي خطوة نحو ترسيخ أمن قومي مستدام، يقوم على العلم الوطني، والموارد الوطنية، والإرادة الوطنية.
.
.
.
المصدر: جريدة الفلاح اليوم الإلكترونية




