منوعات

ميزان الكلمة > خواطر القاضي ورئيس المحكمة: رشيد المبروك

ميزان الكلمة
> خواطر القاضي ورئيس المحكمة: رشيد المبروك
> فقرة أسبوعية -من إعداد نشر وإعلام صحفي: روضة الورتاني / تونس – آيسك نيوز الدولية

“حين تتكلم العدالة بلغة القلب”

-آيسك نيوز الدولية نفتح كل أسبوع ميزاناً من نوع آخر… لا يزن القضايا، بل يزن المشاعر.
> مع قلم تعود أن يحكم بالعدل، وقلب تعود أن يكتب بالصدق في برنامج اسبوعي بثوب
> “ميزان الكلمة” مع خواطر القاضي ورئيس المحكمة “رشيد المبروك.”

“سجل حضورك بالغياب”.. حين يتكلم القاضي بلغة الفيلسوف”

قراءة في خاطرة القاضي ورئيس المحكمة رشيد المبروك*

ليست مجرد خاطرة عابرة، بل هي بيان وجودي. بعنوان صادم ومفارق “سجل حضورك بالغياب”، يأخذنا القاضي ورئيس المحكمة رشيد المبروك من قاعة المحكمة إلى قاعة الوجود، ليحاكم الإنسان والمجتمع والمدينة.
. المفارقة كأداة للصدمة: حضور الغياب
يبدأ النص بأمر مستحيل: كيف أسجل حضوري وأنا غائب؟ هذه هي لعبة القاضي الأديب. إنه يكشف واقعنا: نحن حاضرون بأجسادنا في كل مكان، غائبون بأرواحنا. حضور شكلي في الوظيفة، في العائلة، في الوطن، لكنه غياب حقيقي عن المعنى. هذه المفارقة هي صلب التجربة الوجودية التي عاشها كافكا وكامو.

“أرمِ ببعضك للذئاب”.. فلسفة النجاة
> “وإن عاقت مسيرتك الرياح / فأرم ببعضك للذئاب”

هنا يتجلى القاضي الإنسان الذي عرف قسوة الحياة. ليست دعوة للاستسلام، بل هي حكمة البحار القديم الذي يرمي ببعض حمولته لينجو بالسفينة. على الإنسان أن يتخلى عن بعض أحلامه، بعض علاقاته السامة، بعض أجزائه التي تثقله، لكي يستمر. إنها فقه الأولويات بلغة شعرية.

. قمة المحاكمة الذاتية: “أنت لص”
أقسى سطور الخاطرة وأصدقها:
> “أنت لص / ولو حملت على ظهرك أخاك / وفي يمينك السيف / وفي الشمال الكتاب”

هنا يسقط رشيد المبروك كل الأقنعة. حتى لو تظاهرت بالبطولة (تحمل أخاك)، والقوة (السيف)، والمعرفة (الكتاب)، فأنت تسرق من نفسك، من وقتك، من حقيقتك. إنها محاكمة للذات التي نرتدي لها ثياب الفضيلة ونحن نعلم في الداخل أننا نسرق أعمارنا في السراب.

. المدينة كمرآة للارتياب
يختم النص بصورة بانورامية مرعبة وجميلة في نفس الوقت:
> “في كل أزقة المدينة / وساحاتها العامة / وخماراتها ومساجدها”

القاضي الذي رأى كل وجوه المدينة في محكمته، يرى أن الخمارات والمساجد، الأزقة والساحات، كلها متساوية في هذا الطقس الخريفي الذي يضاعف الارتياب. لم يعد هناك مكان آمن لليقين. الشك أصبح هو الحقيقة الوحيدة.
> “نحن في الحقيقة سراب / طيف يسبح في بحيرة الشك”

الخاتمة: لماذا هذه الخاطرة مهمة الآن؟
لأنها تذكرنا أن وراء عباءة القاضي قلب شاعر يرى ما لا نراه. رشيد المبروك لا يكتب شعراً للتسلية، بل يكتب ليرمم “نصفنا الباقي” كما قال. يكتب لأن العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط بالأحكام، بل بأن نسجل حضورنا الحقيقي في هذا العالم، حتى لو كان ذلك الحضور بالغياب.

هذه الخاطرة هي “ميزان الكلمة” في أبهى صورة ،كلمة موزونة بميزان الذهب، لا تميل إلا نحو الحقيقة الموجعة. الخاطرة كما عبر واشاد: سجل حضورك بالغياب
وانظر متى تكتمل
وإن عاقت مسيرتك الرياح
فأرم ببعضك للذئاب
أنت لص
ولو حملت على ظهرك أخاك
وفي يمينك السيف
وفي الشمال الكتاب
سجل حضورك بالغياب
واختر لنفسك زورق نجاة
فنحن وإن كنت ترانا جمعا
نحن في الحقيقة سراب
طيف يسبح في بحيرة الشك
ما عاد ينفع معه لوم ولا عتاب
نرمم نصفنا الباقي
ننتظر مطلع الشمس، مستبشرين
فتفاجئنا بقرص خراب
سجل حضورك
بما شئت من مرادفات الغياب
في كل أزقة المدينة
وساحاتها العامة
وخماراتها ومساجدها
فهذا الطقس الخريفي
يضاعف درجة الارتياب

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى