هيلاريون السلام… حين يصبح الإيمان ضميرًا لفلسطين

هيلاريون السلام… حين يصبح الإيمان ضميرًا لفلسطين
ليست كل الأصوات التي تنادي بالسلام تستحق أن تُسمع، وليست كل الرايات التي تُرفع باسمه تحمل معناه الحقيقي. ففي زمنٍ صار فيه السلام، لدى البعض، مرادفًا للتطبيع، ومساومةً على الحقوق، وتكيّفًا مع الأمر الواقع، يطل المطران عطا الله حنا ليعيد للكلمة معناها الأخلاقي والإنساني. ولذلك، فإن وصفه بـ”هيلاريون السلام” ليس مبالغةً أدبية، بل توصيفٌ لرجل دين جعل من السلام العادل عقيدة، ومن فلسطين رسالة، ومن القدس قضية لا تقبل المساومة.
لقد أثبت عطا الله حنا، عبر سنوات طويلة، أن السلام لا يُقاس بعدد الاتفاقيات، ولا بعدسات المصورين، ولا بالمصافحات البروتوكولية، وإنما بقدر ما يعيد من حقوق، ويصون من كرامة، وينهي من احتلال. فالسلام الذي يُبنى فوق أنقاض العدالة ليس سلامًا، بل هدنةٌ مؤقتة تُخفي تحتها بذور انفجار جديد.
من هنا، لم يكن الرجل يومًا من دعاة الحرب، كما لم يكن من دعاة الاستسلام. كان، وما يزال، من المؤمنين بأن رسالة الكنيسة هي صناعة السلام، ولكن السلام الذي يرفع الظلم عن الإنسان، لا السلام الذي يطلب من الضحية أن تتصالح مع جلادها. ولذلك ظل يردد، قولًا وموقفًا، أن القضية الفلسطينية ليست قضية حدود، بل قضية حق، وأن القدس ليست ملفًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل هويةٌ روحية وحضارية وإنسانية لا يجوز اقتلاعها من جذورها.
وفي كل مناسبة، وقف المطران عطا الله حنا ليؤكد أن فلسطين ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل امتحانٌ يومي لضمير العالم. فمن يقبل بالاحتلال، ويبرر مصادرة الأرض، ويصمت أمام قتل المدنيين، لا يستطيع أن يتحدث عن السلام إلا بوصفه شعارًا فارغًا من مضمونه. أما السلام الحقيقي، فهو الذي يولد من رحم العدالة، ويستند إلى احترام القانون الدولي، ويعيد للشعوب حقها في الحرية والسيادة والكرامة.
ولعل ما يميز عطا الله حنا أنه لم يسمح يومًا بتحويل الكنيسة إلى مؤسسة صامتة أمام المظالم. لقد حمل رسالتها خارج جدرانها، وجعل من المنبر الديني منصة للدفاع عن الإنسان، أيًا كان دينه أو قوميته، مؤكدًا أن الإيمان الذي لا ينتصر للمظلوم يفقد جوهره، وأن الصلاة التي لا ترافقها مواقف أخلاقية تتحول إلى طقس بلا روح.
وإذا كان المطران هيلاريون كابوتشي قد خلد اسمه بوصفه رجل الكنيسة الذي اختار أن يكون في خندق فلسطين بكل ما حملته تلك المرحلة من تحديات، فإن عطا الله حنا يمثل امتدادًا لذلك النهج، ولكن بأدوات عصرٍ أصبحت فيه الكلمة الحرة، والموقف الصلب، والدبلوماسية الأخلاقية، ساحات مواجهة لا تقل أهمية عن ميادين الصراع الأخرى. إنه هيلاريون السلام؛ لا لأنه استبدل المقاومة بالسلام، بل لأنه أعاد تعريف السلام باعتباره أرقى أشكال مقاومة الظلم.
إن التاريخ لا يخلد الذين يسايرون اللحظة، بل الذين يصنعون الموقف. وعطا الله حنا واحد من أولئك الذين اختاروا أن يبقى صوتهم أعلى من الضجيج، وأن تكون بوصلتهم فلسطين، وأن يظل السلام، في قاموسهم، مرادفًا للعدالة لا للاستسلام.
ولعل العالم، الذي يبحث اليوم عن طريق يخرجه من دوامة الدم، أحوج ما يكون إلى أصواتٍ من طراز عطا الله حنا؛ أصواتٍ تؤمن بأن السلام لا يولد من قوة السلاح، بل من قوة الحق، وأن القدس لن تكون مدينةً للسلام إلا عندما تصبح مدينةً للعدل، فالعدالة ليست الطريق إلى السلام فحسب… بل هي اسمه الحقيقي.




