فنمقالات

أصحاب الأرض.. عندما يقوم الفن بدوره

أصحاب الأرض.. عندما يقوم الفن بدوره

كتبت / سماح علام 

مأساة اعتدنا التعايش معها عبر عناوين سريعة على شريط إخباري، أو من خلال مشهد غير مكتمل تنقله كاميرا متأرجحة على أكتاف مصور صحفي ، تصريحات، مؤتمرات، شجب وندب على خيبة أمل سكنت صدورنا منذ عقود، فأصبحت مرارة الألم شعورًا يتوارثه الأجيال.

جاء مسلسل (أصحاب الأرض) بقرار جريء من القائمين على العمل ليكشف عن جزء من (الواقع)، مسلطًا الضوء على أحداث حقيقية دون سحر أو شعوذة، بل توثيقًا لمعاناة مزقت شعبًا بأكمله، لم ترحم عجوزًا ولا مريضًا ولا طفلاً ، لا استثناءات لدى عدو يرفع الحقد سلاحًا في وجه الجميع.

ما نشاهده يوميًا من أحداث (أصحاب الأرض) أشعل بداخلنا ما تُلهينا عنه مشاغل الحياة، فأعاد للوجع اسمه، وللحكاية روحها، ولعدونا وجهه القبيح، بدون مساحيق التجميل التي يضعها إعلامهم المنحل.

نجح صناع العمل في أن يعيش المشاهد داخل الصورة، جعلنا نسمع أنفاس الأم المكلومة، نشعر بارتجاف الطفل الخائف، ونفهم معنى أن تصبح الأرض آخر ما يملكه الإنسان. تجاوز العمل فكرة التوثيق إلى التماهي ، لم نشاهد الأحداث من الخارج، بل دخلنا بيوت غزة، جلسنا على طاولات اهلها ، انتظرنا في أروقة المستشفيات وسط المصابين، وعشنا مع الشخصيات لحظات الرعب والترقب.

أن تمنح الزمن حقه، أن تمنح الشخصيات عمقها، أن تمنح الألم سياقه الإنساني.. أفضل من أن ترفع شعارات وتقيم ندوات وتختزل القضية في احتفالات صاخبة.

لم يخاطب المسلسل العقل السياسي فقط، بل لمس القلب والعاطفة، وخاطب الفطرة الإنسانية السوية. وإن كنا في أوقات الأزمات نسأل الفن عن دوره، فقد أجاب (أصحاب الأرض) بوضوح بأن الفن عندما يرتقي من حد الترف يصبح ضرورة، لا يزين الواقع ولا يخفف حدته، بل يكشفه ويضعنا أمامه بلا وسائط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى