مقالات

خلف الصورة

خلف الصورة

بقلم : أحمد زاهر

لا تموت النفس البشرية عادةً في اللحظة التي تسقط فيها الأجساد. فالسقوط الأخير ليس إلا المشهد المرئي لانهيارٍ بدأ قبل ذلك بكثير، في الداخل، بصمت، بعيدًا عن أعين الناس.
ولهذا فإن مأساة الشابة المصرية بسنت، التي ألقت بنفسها من الطابق الثالث عشر خلال بث مباشر على حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد حادثة انتحار فردية، ولا كخبر مأساوي عابر، بل كواقعة كاشفة، كنافذة انفتح من خلالها – للحظة – وجهٌ خفيٌّ من وجوه أزمتنا الحضارية المعاصرة.
لم تكن بسنت، في جوهر الأمر، ضحية لحظة ضعف، بل ضحية مسار طويل من التآكل الداخلي، ضحية صراع مستمر بين هشاشة الإنسان الطبيعية، وبين الصورة التي بات يُطلب منه أن يكونها. لكن السؤال الأهم ليس ما حدث، بل ما الذي تغيّر حتى أصبح هذا الصراع بهذه الحدّة؟
لقد دخل الإنسان المعاصر طورًا جديدًا من وجوده، لم يعد فيه مطالبًا بأن يعيش ذاته، بل بأن يعرضها. لم يعد الوجود تجربة تُعاش، بل أداءً يُقدَّم، وهو ما يحوّل الهوية من معطى داخلي متدرّج إلى مشروع خارجي خاضع للتقييم المستمر. وفي هذا السياق، لم تعد القيمة تُستمد من حقيقة ما يكونه الإنسان، بل من صورة ما يبدو عليه، ومن هنا يبدأ التحول العميق: الإنسان لا يفقد ذاته فجأة، بل يستبدلها تدريجيًا بصورة عنها.
نحن لا نعيش في عالم متخيل بقدر ما نعيش داخل نماذج مُنتَجة للحياة، يتم تقديمها بوصفها ممكنة وقابلة للتحقق، بينما هي في جوهرها تتجاوز الطاقة البشرية العادية. ومع اتساع الفجوة بين هذه النماذج والواقع، لا ينسحب الإنسان منها، بل يظل متعلقًا بها، لأن الاعتراف بعدم القدرة على تحقيقها لم يعد خيارًا اجتماعيًا مريحًا. وهنا يحدث التحول الحاسم: حين يعجز الإنسان عن عيش النموذج، لا يتخلى عنه… بل يبدأ في تمثيله. فتتحول الحياة من تجربة تُعاش إلى دور يُؤدى، ويتحول الإنسان من كائن يعيش إلى كائن يمثل ذاته تحت ضغط مستمر، يتراكم حتى يصبح عبئًا ثقيلاً.
هذا ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الصورة”، حيث تتحول الهوية إلى منتج، وتصبح الذات خاضعة لمنطق العرض والمقارنة والقبول الاجتماعي. وفي ظل هذا الاقتصاد، يُعاد تعريف القوة والاستقلال والنجاح، لا بوصفها حالات إنسانية مركبة، بل بوصفها معايير جاهزة قابلة للعرض والتداول.
وهنا تنشأ حالة قريبة مما وصفه علم الاجتماع بـ”الأنومي”، أي فقدان المعايير المستقرة التي تمنح الإنسان إحساسه بالموقع والمعنى. غير أن المفارقة اليوم أن الإنسان لا يعيش فراغًا في المعايير، بل فائضًا منها؛ معايير متضاربة، متغيرة، وغير قابلة للتحقق الكامل. والنتيجة ليست التحرر، بل القلق.
في هذا السياق، تُطالَب المرأة بأن تكون قوية على نحو ينفي حاجتها الطبيعية للاحتواء، ومستقلة على نحو يختزل بعدها الاجتماعي، وصلبة إلى حدّ يصبح معه الاعتراف بالألم هزيمة. وفي السياق ذاته، يُعاد تشكيل الرجل وفق تناقضات لا تقل استحالة: أن يكون قويًا دون خشونة، وقياديًا دون سلطة، وحاضرًا دون هيمنة، وناجحًا دون أن يرهق أحدًا بطموحه. وهكذا لا نكون أمام أزمة تخص النساء أو الرجال على حدة، بل أمام أزمة أعمق تمس تعريف الإنسان نفسه.
إننا لا نعيش فقط أزمة قيم، بل أزمة هوية. هوية لم تعد تُبنى من الداخل عبر التجربة، بل تُستورد من الخارج عبر النماذج الجاهزة. وفي ظل هذا التحول، يصبح الإنسان محاصرًا بين ما هو عليه فعلًا، وما يُطلب منه أن يبدو عليه، وكلما اتسعت الفجوة بين الاثنين، ازداد التوتر الداخلي حتى يصل – في بعض الحالات – إلى نقطة الانهيار.
وهذا ما يجعل مثل هذه الحوادث غير قابلة للاختزال في بعدها الفردي. فالمجتمعات لا تنتج هذا القدر من الانهيار النفسي صدفة، بل حين تصبح البنية الثقافية نفسها مُجهِدة للإنسان. لقد أصبح كل شيء يُعاد تعريفه بمنطق الأداء: العلاقات، النجاح، الحب، الاستقلال، بل وحتى تقدير الذات. ولم يعد الإنسان يُقاس بما هو عليه، بل بمدى قدرته على الاستمرار في التماسك الظاهري.
وهنا تظهر مفارقة قاسية: كلما نجح الإنسان في إقناع الآخرين بقوته، قلّ احتمال أن يجد من يحتوي ضعفه. وهكذا يتحول التماسك إلى قناع، والقناع إلى عبء، والعبء إلى ضغط مستمر، والضغط – إذا طال – إلى انهيار.
بسنت لم تكن فقط امرأة انهارت، بل كانت تجسيدًا مكثفًا لهذه المفارقة. لم تسقط لأنها ضعيفة، بل لأنها – على الأرجح – حاولت أن تكون أقوى مما يحتمله الإنسان.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما حدث، بل بما يجعل مثل هذا الحدث ممكنًا: أي نوع من المجتمعات يُنتج أفرادًا يبدون متماسكين خارجيًا بينما ينهارون داخليًا في صمت؟ وأي منظومة قيم تجعل الاعتراف بالضعف خطرًا اجتماعيًا؟ وأي ثقافة تدفع الإنسان إلى تمثيل ذاته بدل أن يعيشها؟
حين تتناقض النماذج مع الطبيعة البشرية، لا تنهار النماذج… بل ينهار الإنسان. لأن المشكلة لم تعد في عيش الحياة، بل في محاولة مطابقة نموذج متخيل لها، نموذج لا يمكن بلوغه، لكنه يظل حاضرًا بما يكفي ليدفع الإنسان إلى تمثيله… حتى ينهار تحت ثقله.
وبين الإنسان كما هو، والإنسان كما يُطلب منه أن يكون، تتسع فجوة صامتة يسقط فيها كثيرون دون أن يراهم أحد.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى