مقالات

الاستقرار المفقود: كيف نُهدر الفرص حين نؤجل الحسم

**الاستقرار المفقود: كيف نُهدر الفرص حين نؤجل الحسم**

ا. محمد الشيخوني

بين وهم إدارة الصراع وغياب قرار السلام، يتآكل الداخل وتضيع فرص الاستقرار. ليست المشكلة في تعقيد الأزمات بقدر ما هي في إطالة أمدها، حتى تصبح كلفة الاستمرار فيها أعلى من كلفة إنهائها، ومع ذلك نستمر.

حين يعجز الوعي عن إنتاج حلول، تتكفّل الصراعات باستكمال المشهد. وحين تتأخر القرارات الحاسمة، لا يتوقف الزمن بانتظارنا، بل تمضي المجتمعات الأخرى في بناء استقرارها بينما نُعيد نحن تدوير أزماتنا ذاتها.

ليس السؤال الحقيقي لماذا يتأخر السلام، بل لماذا لا نختاره في اللحظة التي يصبح فيها ممكنًا.

في هذه الجغرافيا التي أسهمت يومًا في تشكيل الوعي الإنساني، يبدو المشهد اليوم أكثر قسوة مما ينبغي: عالم يتقدّم، ونحن نراوح في الانتظار. وليس ذلك نتيجة نقص في الموارد أو غياب في الكفاءات أو انقطاع في الإرث الحضاري، بل نتيجة مباشرة لعجزنا عن حسم صراعنا الأعمق، صراعنا مع ذواتنا.

لم تعد الأزمة خارجية كما اعتدنا توصيفها، بل أصبحت كامنة في الداخل؛ حيث تتسع الشروخ، وتتضخم الهويات الضيقة، ويتراجع الحسّ الجمعي لصالح نزاعات لا تنتج إلا مزيدًا من الهشاشة. لسنوات طويلة، ألقينا بثقل أزماتنا على العوامل الدولية، غير أن الحقيقة الأكثر وضوحًا هي عجزنا عن بناء قاعدة داخلية متماسكة قادرة على إنتاج الاستقرار.

تبدّلت التحالفات، وتغيّرت موازين القوى، وسقطت مشاريع وظهرت أخرى، لكن النتيجة بقيت واحدة: غياب الاستقرار الحقيقي. وهذا الغياب لا يُفسَّر فقط بتدخلات الخارج، بل بفشل الداخل في صياغة نموذج مستدام للتعايش.

وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا لا يكون السلام خيارًا أوليًا، بدل أن يتحوّل إلى مخرج اضطراري بعد استنزاف كل شيء؟

السلام ليس حالة عاطفية، ولا شعارًا أخلاقيًا للاستهلاك، بل قرار استراتيجي يتطلب كلفة عند اتخاذه، لكنه يبقى الأقل كلفة على المدى البعيد. إنه يحتاج إلى شجاعة مختلفة: شجاعة الاعتراف لا المواجهة فقط، شجاعة التنازل المتبادل لا إقصاء الآخر.

إن أخطر ما نواجهه ليس الاختلاف، بل إدارة هذا الاختلاف بعقلية الصراع الصفري: إما انتصار كامل أو خسارة كاملة. وقد أثبتت هذه المعادلة فشلها، لأنها تقوّض أي إمكانية لاستقرار طويل الأمد، وتُبقي المجتمعات رهينة لحالة توتر دائم.

في المقابل، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون قاعدة أخلاقية صلبة. فالعدالة ليست ترفًا، والكرامة ليست مطلبًا هامشيًا، والتسامح ليس ضعفًا. هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط تأسيس لأي نظام قابل للحياة. حين تُنتهك كرامة الإنسان يبدأ التفكك، وحين تُصان يبدأ البناء.

ما نحتاج إليه ليس معجزات سياسية، بل وضوح داخلي: أن ندرك أننا شركاء في المصير مهما اختلفنا، وأن استمرار الصراع لم يعد خيارًا عقلانيًا ولا مبررًا أخلاقيًا.

إن الاستمرار في استنزاف الذات تحت ذرائع الصراع لم يعد قابلًا للتبرير. فما الذي نحافظ عليه إذا خسرنا الإنسان؟ وما الذي نكسبه إذا خسرنا المستقبل؟

الحل، رغم تعقيده الظاهري، يبدأ بخطوة واضحة: إعادة بناء الثقة. وهذه لا تُفرض بقرارات فوقية، بل تُبنى عبر الاعتراف المتبادل، وفتح قنوات الحوار، وإغلاق أبواب التخوين والإقصاء. إن الجلوس إلى طاولة واحدة لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.

في عالم يتأرجح بين منطق القوة الصلبة والتأثير الناعم، تحوّلنا في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بدل أن نكون طرفًا فاعلًا فيه. وهذه ليست أزمة جغرافيا، بل أزمة دور؛ لأن من لا يحدد موقعه بنفسه، سيُفرض عليه موقعه.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا أحد سيبني استقرارنا نيابةً عنا، ولا أحد أكثر حرصًا على مستقبلنا منا.

إعادة تعريف الذات الجماعية لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. الانتقال من حالة الردّ إلى الفعل، من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، من عقلية الضحية إلى عقلية الشريك.

لسنا محكومين بالصراع، بل اعتدنا عليه. وهذا الاعتياد هو الخطر الحقيقي.

هذه الأرض لا ينقصها شيء لتكون نموذجًا حضاريًا، إلا أن يقرّر أبناؤها، بوعي صريح وإرادة حقيقية..

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى