مقالات

السيناريو الأخير لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران: سايكس بيكو القرن الحادي والعشرين

السيناريو الأخير لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران: سايكس بيكو القرن الحادي والعشرين

بقلم : عٌلا عطية البربري
باحثة دكتوراه علوم سياسيه

لم تعد الحروب في الشرق الأوسط مجرد صراعات تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل تحوّلت إلى واقع ممتد يعيد تشكيل المنطقة ببطء. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتداخل الدور الإسرائيلي، لا يبدو المشهد متجهًا نحو حسم سريع، بقدر ما يميل إلى إطالة أمد الصراع.
في هذا السياق، تتزايد التحركات الدبلوماسية من قوى إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو فشلت هذه الجهود؟
الأخطر هنا ليس اندلاع الحرب بحد ذاته، بل احتمالية أن تتحول إلى نمط دائم، تُدار فيه المنطقة عبر أزمات مفتوحة لا تنتهي. عندها، قد لا نكون أمام حرب تقليدية، بل أمام شكل جديد من إعادة رسم النفوذ، يذكّر – بشكل مختلف – بما حدث في اتفاقية سايكس بيكو، ولكن هذه المرة دون اتفاقيات معلنة أو حدود مرسومة.السيناريو الأكثر ترجيحاً: حرب استنزاف مفتوحة المدى.
استمرارية الحرب ليست خياراً عشوائياً، بل هي خيار أمريكي إسرائيلي مدروس. ليس فقط بسبب ضعف إيران النسبي، بل لأن المنطقة العربية بأكملها تمر بمرحلة هشاشة. لكن المهم هنا أن الحروب لم تعد كما كانت: فغالبًا تنتهي الحروب في أيام أو أسابيع، أما اليوم فتمتد لشهور وسنين، كما نرى في حرب روسيا وأوكرانيا، وإسرائيل وغزة.
وهنا يثور تساؤل مهم: لماذا الإطالة في الحروب؟ هل هي استراتيجية جديدة هدفها استنزاف الدول وضمان السيطرة وإطالة أمد الهيمنة؟ هل “استهداف” المنطقة العربية هو المفتاح؟
ما يجعل هذا السيناريو ممكناً هو تعرض بنية الدول العربية لسياسات منهجية تهدف إلى إضعافها، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً واقتصادياً. فالحرب الطويلة تحتاج إلى:
قدرة على تحمل التكاليف الاقتصادية، تماسك داخلي في مواجهة الأزمات، غطاء إقليمي ودولي. وهذه العناصر جميعها تم استنزافها واستهدافها في العديد من الدول العربية عبر عقود من التدخلات والحروب بالوكالة، مما جعل المنطقة بأكملها في موقع ضعف مما يمهد لأستغلال هذا الضعف ، لا في موقع الفاعل القادر على فرض حل أو حتى الضغط لوقف الحرب. الفارق هنا أن الضعف لم يأتِ من طبيعة عربية أصيلة، بل هو نتيجة استراتيجيات ممنهجة تهدف إلى إبقاء المنطقة هشة وقابلة للإخضاع.
فاستمرارية الحرب ؛ سايكس بيكو الجديدة: إعادة التقسيم بالحروب المفتوحة
هنا يأتي الالتفات إلى جوهر القضية: استمرارية التوسع في الحرب ليست مجرد تكتيك عسكري، بل هي سايكس بيكو جديدة للقرن الحادي والعشرين. ما يحدث يتجاوز الردع أو تدمير القدرات الإيرانية. فبالرغم أن الصراع يبدو موجّهًا نحو إيران، فإن تأثيراته تمتد إلى دول عربية عديدة، عبر:الضغط على اقتصادات مرتبطة بالطاقة والتجارة ، في ظل تصاعد أدوار لفاعلين غير رسميين في بعض الدول ، مع زيادة حدة الاستقطاب الإقليمي
وهذا يجعل المنطقة بأكملها جزءًا من معادلة الاستنزاف، حتى دون انخراط مباشر في الحرب.إنها إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية بطريقة أكثر دهاءً مما فعلت اتفاقية سايكس بيكو قبل قرن مضى.
سايكس بيكو القديمة اعتمدت على رسم حدود مستقيمة بين دول تحت الوصاية الأوروبية. أما سايكس بيكو الجديدة فتعتمد على:
 التقسيم عبر الإطالة لا عبر الخطوط – بدلاً من رسم حدود بالمسطرة، يتم خلق “مناطق رمادية” دائمة الصراع لا تنتمي لأي دولة قوية، ولا تخرج عن دائرة الهيمنة.
 استنزاف الدول القومية العربية – بينما كانت سايكس بيكو القديمة تهدف إلى تقاسم النفوذ، فإن النسخة الحديثة تهدف إلى منع قيام أي دولة عربية قوية من الأساس. الحرب الطويلة ضد إيران هي ذريعة لإبقاء العراق وسوريا ولبنان واليمن في حالة انقسام دائم.
 تغيير مفهوم السيادة – في القرن العشرين، كانت السيادة تعني حدوداً معترفاً بها. أما اليوم، فـ”السيادة” تعني القدرة على تحمل حرب لا تنتهي. والدول العربية ممنوعة من امتلاك هذه القدرة.
 توظيف الفاعلين المحليين كأدوات للتقسيم – مثلما وظفت بريطانيا وفرنسا القبائل والطوائف، أما اليوم يتم توظيف الميليشيات والجماعات المسلحة كـ”وكلاء” لضمان استمرار الفوضى.
مجمل القول: حرب بلا نهاية تعني حدوداً بلا وثائق، وهذا ما يجعل هذا السيناريو بالغ الخطورة. فإذا لم تنجح مساعي مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ولم توجد اتفاقية تُوقَّع، ولا خطوط تُرسم على الخريطة، فستكون الحرب نفسها هي الحدود.
فالمنطقة العربية مدعوة ليس للقتال من أجل النصر، بل للبقاء في حالة “إدارة الأزمات” الدائمة، وهو ما يضمن بقاء نفوذ القوى الكبرى إلى أجل غير مسمى. سايكس بيكو القرن الحادي والعشرين لا تُنهى بتوقيع وثيقة، بل تنتهي فقط عندما تعيد المنطقة بناء قدرتها على إجبار الحرب على أن تنتهي.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى