القاهرة 26 ؛ بين مخاوف «مصيدة اليمن 62»، ومخاطر الفراغ الإقليمي …
◙ الدكتور م. وائل الشهاوي – يكتب – حصريا لـ [ آيسك نيوز AICS NEWS ]
إذا أردنا أن نفهم ما يجري حولنا اليوم، فلا بد أن نتحرر قليلًا من أسر المواقف المسبقة، وأن ننظر إلى الأحداث باعتبارها حلقات متصلة في سلسلة طويلة من الصراعات والتحولات الاستراتيجية. فالتاريخ لا يعيد نفسه بالصورة ذاتها، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج الظروف التي صنعت أزماته السابقة، خاصة عندما تتراجع دولة عن دورها، أو تترك مساحة جغرافية وسياسية كانت تمثل جزءًا من مجالها الحيوي، فتسارع قوى أخرى إلى شغل هذا الفراغ.
ولعل من أهم الدروس التي ينبغي أن نتوقف أمامها في تاريخ مصر الحديث، تجربة حرب اليمن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، التي لم تكن مجرد حرب خارج الحدود، وإنما تحولت إلى تجربة قاسية تركت آثارًا عميقة في الوعي العسكري والسياسي المصري. فقد دخلت القوات المسلحة المصرية إلى ساحة جغرافية شديدة التعقيد، لا تتناسب طبيعتها الوعرة مع نمط العمليات العسكرية التقليدية، ووجدت نفسها أمام حرب استنزاف طويلة، استهلكت قدرًا كبيرًا من القوات والموارد، في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات داخلية وإقليمية متزايدة.
لقد كانت حرب اليمن، في نظر كثيرين، أشبه بعملية استدراج استراتيجي، أو ما يطلق عليه الإنجليز «اصطياد الديك الرومي»، حيث يُدفع الخصم إلى ساحة لا تناسب قدراته، ثم يُترك ليستنزف نفسه في صراع يصعب حسمه.
ولم تكن الخسارة في هذه التجربة عسكرية فقط، بل امتدت إلى العقل الاستراتيجي المصري نفسه، حتى أصبحت فكرة إرسال القوات المسلحة إلى الخارج مرتبطة في الوعي العام بمخاطر الاستنزاف والخسائر البشرية، أكثر من ارتباطها بإمكانية حماية المصالح الحيوية للدولة خارج حدودها.
وهكذا نشأت ما يمكن تسميته بعقدة «مصيدة اليمن»، التي جعلت صانع القرار المصري أكثر حذرًا تجاه التدخلات العسكرية الخارجية، حتى عندما تكون هناك اعتبارات استراتيجية تستدعي التحرك.
لكن المشكلة أن الدرس المستفاد من التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة جامدة تحكم كل الظروف، لأن الفارق كبير بين التدخل في حرب استنزاف مفتوحة، وبين الوجود العسكري المحسوب الذي يستهدف حماية الأمن القومي ومنع تشكل تهديدات مستقبلية.
وإذا انتقلنا إلى السعودية، سنجد أن فكرة الأمن المشترك بين القاهرة والرياض ليست جديدة، بل لها جذور تاريخية تعود إلى عهد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، الذي ارتبط اسمه برؤية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية.
فقد نُسبت إليه مواقف وتصريحات بشأن أهمية الدور المصري في حماية السعودية، بما في ذلك حماية مكة المكرمة، باعتبارها أقدس بقاع الأرض لدى المسلمين. وتعكس هذه الرؤية، في جوهرها، إدراكًا لأهمية مصر العسكرية والبشرية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في معادلة الأمن العربي.
فالأمن القومي، في حسابات الدول الكبرى، لا يتوقف بالضرورة عند الحدود الجغرافية، وإنما يمتد إلى المناطق التي يؤثر استقرارها بصورة مباشرة في أمن الدولة ومصالحها.
من هنا يمكن فهم التصور الذي يربط بين أمن مصر وأمن الجزيرة العربية، باعتبار أن أي اختلال كبير في توازنات الخليج قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة، وتصل إلى المصالح المصرية نفسها.
وقد شهد عهد الرئيس محمد أنور السادات بدوره نقاشات حول ضرورة التحرك خارج الحدود المصرية عندما تقتضي اعتبارات الأمن القومي ذلك، ومن أبرزها التصورات المرتبطة بليبيا، التي ارتبطت بالخلافات الحادة بين السادات والعقيد معمر القذافي. وقد أثارت هذه المواقف جدلًا سياسيًا واسعًا في ذلك الوقت، خصوصًا لدى أنصار الخطاب القومي العربي الذين تعاملوا مع خلافات الزعيمين باعتبارها صراعًا بين مواقف سياسية، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى الحسابات الاستراتيجية والأمنية التي كانت تحكم تحركات كل طرف.
لكن التطور الأهم الذي يستحق التوقف أمامه جاء في أواخر الثمانينيات، عندما تأسس مجلس التعاون العربي عام 1989، وضم مصر والعراق والأردن واليمن. فقد مثل المجلس محاولة لإنشاء إطار للتعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي، مع إمكانات لتطوير التنسيق الأمني والعسكري بين الدول الأربع. وكانت مصر والعراق يمتلكان ثقلًا بشريًا وعسكريًا واقتصاديًا مهمًا، بينما تمتع اليمن بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، وشكل الأردن حلقة جغرافية وسياسية مؤثرة في المنطقة.
وقد جاء هذا التقارب في سياق إقليمي شديد الحساسية، بعد الحرب العراقية الإيرانية التي انتهت عام 1988، والتي شهدت دعمًا مصريًا للعراق. وكان من الممكن، لو استمر هذا الإطار وتطورت مؤسساته، أن يشكل نواة لتعاون عربي أكثر استقلالًا، يجمع بين القدرات العسكرية المصرية والإمكانات النفطية والعسكرية العراقية والمواقع الاستراتيجية للدول الأخرى المشاركة.
غير أن غزو العراق للكويت عام 1990 وضع حدًا عمليًا لهذه التجربة، وأدخل المنطقة في مرحلة مختلفة تمامًا من العلاقات العربية والتوازنات الدولية.
وقد ترتبت على الغزو تداعيات هائلة، انتهت بتدخل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة، ثم نشوء ترتيبات أمنية جديدة في الخليج. ومن الصعب تجاهل أن انهيار مجلس التعاون العربي وتفكك العلاقات بين أطرافه ساهما في إضعاف أحد الأطر التي كان يمكن أن تتطور إلى صيغة مختلفة للتعاون العربي.
أما مشاركة القوات المصرية في حرب تحرير الكويت عام 1991، فتفتح بابًا آخر للنقاش حول الأهداف التي يمكن أن تحققها الدولة من وراء المشاركة العسكرية خارج حدودها.
فالمشاركة المصرية لم تكن مجرد تحرك عسكري ضمن تحالف دولي، بل ارتبطت أيضًا بحسابات سياسية واقتصادية وعسكرية، شملت الحفاظ على العلاقات مع دول الخليج، وتخفيف أعباء الديون المصرية، والاستفادة من الخبرات العسكرية التي كشفت عنها الحرب، فضلًا عن محاولة الحفاظ على دور مصري مؤثر في ترتيبات الأمن الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى حرب الخليج باعتبارها لحظة مهمة في العلاقة بين الرؤية الاستراتيجية المصرية والتصور الأمريكي لمستقبل المنطقة.
فقد كانت واشنطن تسعى إلى بناء نظام أمني خليجي يعتمد بدرجة كبيرة على الوجود العسكري الأمريكي والقواعد الأجنبية، بينما كان من الممكن أن يتيح تعزيز الدور المصري تصورًا مختلفًا للأمن الإقليمي، يقوم على الاستعانة بقدرات عربية تمتلك من الثقل العسكري والبشري ما يؤهلها للقيام بأدوار مؤثرة.
وهنا تظهر فكرة التنافس على من يملأ الفراغ الأمني، وهي فكرة لا تخص الخليج وحده، وإنما تنطبق على مختلف المناطق التي تتراجع فيها قوة دولية أو تنسحب منها، فتسعى قوى أخرى إلى التقدم وفرض وجودها. فالدول لا تتحرك في فراغ، والقوة التي تنسحب من موقع استراتيجي لا تضمن أن يظل هذا الموقع خاليًا، بل تفتح المجال أمام منافسين قد تكون أهدافهم أكثر اتساعًا من مجرد توفير الحماية.
تخيل أن هناك شخصًا يفرض سطوته على أحد الشوارع، ثم يختفي فجأة من المشهد. هل يعني اختفاؤه أن الشارع أصبح آمنًا بصورة تلقائية؟ بالطبع لا، لأن غياب القوة التي كانت تسيطر على المكان قد يفتح الباب أمام قوة أخرى تحاول فرض سيطرتها، وربما تكون أكثر خطورة.
لكن الفارق الحقيقي يكمن في طبيعة البديل، وهل سيؤدي ظهوره إلى استقرار المنطقة أم إلى إعادة إنتاج المشكلة بصورة مختلفة.
هذه القاعدة لا تنطبق على المجال العسكري وحده، وإنما تمتد إلى الثقافة والاقتصاد والسياسة. فبعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، تراجع الحضور المصري في عدد من المجالات الإقليمية، ومنها بعض جوانب التأثير الثقافي والإعلامي والتعليمي، بعدما كانت السينما المصرية والتعليم والأزهر من أهم روافد التأثير المصري في العالم العربي.
ومع تراجع هذا الحضور، ظهرت مراكز إقليمية أخرى تمتلك موارد مالية وإعلامية كبيرة، وبدأت تؤدي أدوارًا متزايدة في تشكيل الثقافة والوعي والاتجاهات السياسية.
وقد شمل هذا التحول صعود أدوار متعددة، من السعودية وقطر إلى تركيا وإيران، إلى جانب تغير طبيعة الدور العراقي عبر مراحل مختلفة. ولم يكن الأمر مجرد تنافس ثقافي، بل كان انعكاسًا لتحولات أوسع في موازين القوة والموارد والقدرة على التأثير في الرأي العام العربي.
وإذا كان الفراغ الثقافي قد أتاح لقوى أخرى توسيع حضورها، فإن الفراغ العسكري والأمني قد يفتح المجال أمام ترتيبات مماثلة، خصوصًا في ظل تراجع بعض الالتزامات الدولية أو إعادة توزيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وعندما تنسحب قوة من موقع ما، فإن السؤال لا يكون فقط عن أسباب انسحابها، بل عن الطرف الذي سيملأ المساحة التي تركتها، وعن المصالح التي سيعمل على تحقيقها.
ومن هنا، فإن تراجع الحضور المصري خارج الحدود، بفعل مجموعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، أتاح لقوى إقليمية ودولية توسيع نطاق تحركاتها في مناطق تمثل امتدادًا مهمًا للأمن القومي العربي. ولا يعني ذلك أن جميع هذه القوى تتحرك وفق رؤية واحدة، أو أن مصالحها متطابقة، بل إن لكل دولة أهدافها وحساباتها، وقد تتقاطع هذه الحسابات في مرحلة معينة ثم تتعارض في مرحلة أخرى.
ولذلك، فإن الاستغراب مما يجري اليوم لا يغير من حقيقة أن التحولات الحالية لها جذور ممتدة في عقود سابقة، وأن كثيرًا من النتائج التي نراها الآن ترتبط بتراكم قرارات ومواقف أدت إلى إعادة توزيع النفوذ في المنطقة. وقد يكون الاختلاف حول تقييم هذه القرارات مشروعًا، لكن فهم نتائجها يتطلب النظر إلى الصورة كاملة، بعيدًا عن ثنائية التأييد المطلق أو الرفض المطلق.
إن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تتوقف عند سرد الوقائع أو الاكتفاء بتفسير الأحداث وفقًا للمواقف السياسية الراهنة، وإنما يجب أن تمتد إلى فهم مفهوم المجال الحيوي، وكيف تتعامل الدول مع المناطق التي تؤثر في أمنها ومصالحها، وكيف تستغل القوى الدولية فترات التراجع أو الانكفاء لإعادة تشكيل التوازنات.
فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري، لا يمكن النظر إلى أمنها باعتباره مسألة محصورة داخل حدودها فقط. فما يحدث في غزة وليبيا والسودان والقرن الإفريقي، وما يجري حول منابع النيل وفي البحر الأحمر، يرتبط بدرجات متفاوتة بحسابات الأمن القومي المصري.
لكن التعامل مع هذه الملفات لا يكون بالشعارات أو بمجرد إعلان الرغبة في استعادة الدور، وإنما بتحديد الأولويات، وبناء القدرات، واختيار أدوات التحرك التي تحقق المصالح المصرية بأقل تكلفة ممكنة.
والدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ هو أن الابتعاد عن ساحات التأثير لا يعني اختفاء الصراعات منها، بل قد يعني أن الآخرين أصبحوا أكثر قدرة على تحديد قواعد اللعبة. فالدول التي لا تشارك في تشكيل التوازنات المحيطة بها قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع نتائج صنعها غيرها، حتى لو كانت هذه النتائج تمس أمنها ومصالحها بصورة مباشرة.
ولعل ما نشهده اليوم ليس سوى فصل جديد من صراع قديم على النفوذ، تتغير فيه الأدوات والأسماء، بينما تظل القاعدة الأساسية كما هي: الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغًا طويلًا، ومن يتراجع عن دوره يترك المجال أمام الآخرين لتحديد شكل المرحلة التالية.
أما الأسرار التي لم تُكشف بعد، والحسابات التي لا تظهر في البيانات الرسمية، فسيظل بعضها جزءًا من التاريخ الذي لا نعرف تفاصيله كاملة، وربما لا نعرفها أبدًا.




