بعد تبادل طرد الدبلوماسيين ؛ هل يتحول “السد الأثيوبي” لأزمة دولية؟
الدكتور م. وائل الشهاوي – يكتب لـ [ آيسك نيوز AISC NEWS ]
في الوقت الذي تبدو فيه إثيوبيا وكأنها تدخل واحدة من أصعب مراحلها الداخلية، تتحرك في الإقليم مجموعة من الأوراق التي قد تجعل القاهرة طرفًا لا يمكن تجاهله في أي محاولة لاحتواء الأزمة.
فالمشهد الإثيوبي لم يعد مجرد احتجاجات أو مواجهات داخلية، وإنما بدأت تداعياته تمتد إلى إريتريا والسودان والصومال وجيبوتي وكينيا، بالتزامن مع استمرار الملفات المفتوحة مع مصر، وفي مقدمتها سد النهضة والبحر الأحمر.
والمفارقة أن الدولة التي خاضت لسنوات مواجهة سياسية ودبلوماسية طويلة مع القاهرة حول مياه النيل، تجد نفسها اليوم في مواجهة أزمة أوسع بكثير من ملف السد، أزمة داخلية تتشابك مع صراعات إقليمية ودولية، وتضع حكومة آبي أحمد أمام مجموعة من الجبهات المفتوحة في وقت واحد.
البداية من الداخل الإثيوبي، حيث تصاعدت المواجهات في الشمال، وعادت جبهة تيجراي إلى واجهة الأحداث، بالتزامن مع تحالف قوى معارضة مسلحة ضد حكومة آبي أحمد. وتحدثت تقارير عن سيطرة قوات معارضة على مواقع وبلدات في مناطق مختلفة، بينما تحاول القوات الحكومية استعادة السيطرة عليها.
ثم انتقلت الأزمة إلى العاصمة نفسها، حيث سُمعت انفجارات في أديس أبابا خلال الساعات الماضية، بالتزامن مع إجراءات أمنية مشددة وحظر لتحليق الطائرات المسيّرة فوق العاصمة، وسط مخاوف من امتداد القدرات العسكرية للمعارضة إلى قلب البلاد. وترافقت التطورات مع اضطرابات في الاتصالات ببعض المناطق، لتصبح الصورة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الحكومة الإثيوبية.
لكن الأزمة لم تبقَ داخل الحدود الإثيوبية. ففي الأول من أكتوبر، اتخذت أديس أبابا خطوة شديدة الخطورة تجاه إريتريا، عندما قررت إغلاق سفارتها في أسمرا، وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصًا غير مرغوب فيهم، متهمة إريتريا بأعمال عدائية وتهديد الأمن القومي الإثيوبي.
وجاء التصعيد الإثيوبي–الإريتري في وقت بالغ الحساسية، خصوصًا أن أديس أبابا اتهمت إريتريا والسودان ومصر بدعم التحالف المعارض الذي يقاتل الحكومة الإثيوبية، بينما رفضت الأطراف المعنية هذه الاتهامات. وردت إريتريا على الخطوة الإثيوبية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التوتر.
وهنا تحديدًا دخلت مصر على خط التصعيد بصورة مباشرة، لكن ليس من خلال مواجهة سياسية معلنة، وإنما من خلال القنوات الدبلوماسية.
ففي الأول من أكتوبر أيضًا، أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية أن أحد أعضاء السلك الدبلوماسي المصري، أحمد محرم أحمد سليمان، أصبح شخصًا غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة، وقالت إن القرار اتخذ وفقًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. والمذكرة الإثيوبية لم تتضمن، في نصها المنشور، تفاصيل عن السبب المباشر وراء اتخاذ هذا القرار.
القاهرة ردت سريعًا بالمثل. فأعلنت اعتبار مستشار السفارة الإثيوبية في القاهرة شخصًا غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وقال مصدر مصري مسؤول إن ما أقدمت عليه الحكومة الإثيوبية تجاه الدبلوماسي المصري أمر مؤسف وغير مبرر، مؤكدًا أن مصر طالما أعلنت رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو التعليق على الأحداث التي تجري فيها، ومن بينها إثيوبيا، احترامًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأضاف أن القاهرة طبقت مبدأ المعاملة بالمثل.
وهنا تصبح واقعة طرد الدبلوماسيين مهمة جدًا في قراءة المشهد، لأنها جاءت في قلب أزمة داخلية إثيوبية متصاعدة، وبعد أيام من تصريحات إثيوبية تنتقد مواقف مصر في ملف مياه النيل، وفي الوقت الذي بدأت فيه أديس أبابا تتعامل مع محيطها الإقليمي باعتباره جزءًا من أزمتها الداخلية.
لكن السؤال هنا: لماذا تحتاج إثيوبيا أصلًا إلى تحريك أوراقها في الإقليم؟
الإجابة تبدأ من الصومال.
ففي التاسع والعشرين من سبتمبر، استقبل آبي أحمد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في أديس أبابا، في لقاء قالت وكالة الأنباء الإثيوبية إنه تناول قضايا ثنائية وإقليمية ذات اهتمام مشترك. وجاء اللقاء في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى العلاقات بين البلدين، في ظل ملف أرض الصومال، وطموح إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر الأحمر، والوجود العسكري الإثيوبي في الصومال.
ومن هنا جاءت التحركات التي تتحدث عن محاولة أديس أبابا تأمين موقف الصومال في ظل التصعيد الداخلي، خصوصًا مع وجود قوات إثيوبية داخل الأراضي الصومالية، وارتباط الملفين الأمني والعسكري بين البلدين بصورة مباشرة.
وبحسب الطرح المتداول، حاول آبي أحمد الحصول على دعم من دول الجوار لمواجهة الأزمة الداخلية، لكن هامش المناورة لم يكن واسعًا. فالصومال لديه حساباته الخاصة، وجيشه أمام مهمة أساسية تتمثل في استكمال بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها، فضلًا عن التعاون العسكري والتدريب مع مصر.
ولم تتوقف التحركات عند الصومال، إذ دخلت جيبوتي أيضًا على خط الحسابات الإثيوبية، خاصة أن إثيوبيا تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ والطرق التجارية التي تمر عبر جيبوتي، وأن أي اضطراب في شمال إثيوبيا أو إغلاق للطرق المؤدية إلى جيبوتي يمثل ضربة مباشرة للاقتصاد الإثيوبي.
أما كينيا، فلديها هي الأخرى ملفاتها وحساباتها مع أديس أبابا، سواء فيما يتعلق بالمياه أو المشروعات الحدودية، وهو ما يجعل قدرة إثيوبيا على الحصول على دعم عسكري إقليمي واسع أمرًا شديد التعقيد.
وهنا تظهر مصر من جديد، لكن هذه المرة ليس باعتبارها طرفًا في أزمة سد النهضة فقط، وإنما باعتبارها دولة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي.
والأهم أن مصلحة القاهرة ليست في انهيار إثيوبيا أو تقسيمها، لأن تحول دولة بهذا الحجم إلى ساحة صراع مفتوحة سيعني انتقال الفوضى إلى دول الجوار، وربما فتح جبهات جديدة في السودان والبحر الأحمر والصومال وإريتريا.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل مصر تريد إضعاف إثيوبيا؟ وإنما: كيف يمكن لمصر أن تتعامل مع أزمة إثيوبية قد تؤثر مباشرة في أمنها القومي ومياه النيل واستقرار البحر الأحمر؟
وهنا يأتي الحديث عن الاتحاد الأفريقي، باعتباره الإطار الطبيعي لأي تحرك سياسي يهدف إلى احتواء الأزمة، فيما تمتلك القاهرة أدوات وعلاقات تجعلها طرفًا مهمًا في أي مسار إقليمي.
ومن هذه النقطة يبدأ الحديث عن الصفقة المحتملة.
فبحسب التصور المطروح، فإن القاهرة قد تكون مستعدة للمساعدة في احتواء الأزمة الإثيوبية، لكن في مقابل مجموعة من التفاهمات التي تتعلق بالملفات التي تمثل جوهر الخلاف بين البلدين.
وفي مقدمة هذه الملفات سد النهضة.
ويُطرح أن تتعهد إثيوبيا بعدم إقامة سدود جديدة على النيل دون توافق إقليمي، وأن تخضع أي مشروعات مستقبلية على النهر لاتفاق واضح بين دول الحوض، بدلًا من أن تصبح كل دولة حرة في اتخاذ قرارات منفردة يمكن أن تؤثر في الآخرين.
كما يطرح التصور مسألة التعويضات المتعلقة بالأضرار التي قد تنتج عن التشغيل غير المنظم للسد، إلى جانب إنشاء آلية مشتركة لإدارة وتشغيل سد النهضة تضم مصر والسودان وإثيوبيا، وربما أطرافًا أفريقية ودولية أخرى، بحيث تصبح قواعد التشغيل واضحة ولا تخضع للتقديرات المنفردة.
وفي المقابل، يظهر ملف اتفاق عنتيبي كواحد من الملفات التي تحتاج إلى تسوية، حتى لا يتحول الخلاف حول قواعد توزيع مياه النيل إلى أزمة جديدة تضاف إلى أزمة السد.
لكن سد النهضة ليس الورقة الوحيدة.
هناك البحر الأحمر، وربما يكون هذا الملف أكثر حساسية مما يبدو، لأن إثيوبيا دولة حبيسة وتبحث منذ سنوات عن منفذ بحري، بينما ترى دول المنطقة أن أي ترتيبات إثيوبية على البحر يجب أن تتم في إطار يحفظ سيادة الدول ومصالحها.
ومن هنا يأتي الحديث عن طلب مصري يتعلق بالتخلي نهائيًا عن فكرة إنشاء منفذ أو وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر، إلى جانب إنهاء التصعيد مع الصومال وسحب التصريحات والمواقف المرتبطة بأرض الصومال.
وفي المقابل، يمكن أن تتحرك القاهرة لرعاية مسار سياسي داخل إثيوبيا يهدف إلى احتواء الحركات المعارضة، والوصول إلى مرحلة انتقالية تشارك فيها القوى المختلفة، مع بحث ترتيبات لدمج العناصر المسلحة في مؤسسات الدولة والجيش، بما يسمح بإعادة الاستقرار إلى البلاد.
لكن المسألة لن تكون سهلة، لأن إثيوبيا أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح أطراف كثيرة، من القوى الإقليمية إلى الولايات المتحدة والصين، مرورًا بدول الخليج والقوى الدولية التي تنظر إلى القرن الأفريقي وثرواته وموانئه وممراته البحرية باعتبارها مناطق ذات أهمية استراتيجية.
ولهذا فإن الحديث عن صفقة تنتهي خلال أيام سيكون مبالغة، لأن الملفات المطروحة أكبر من ذلك بكثير.
هناك سد النهضة، والمياه، والبحر الأحمر، وأرض الصومال، وإريتريا، والسودان، والصومال، والأزمة الداخلية الإثيوبية، وكل ملف من هذه الملفات يمكن أن يكون وحده سببًا لأزمة طويلة.
والأهم أن التطور الدبلوماسي الأخير بين القاهرة وأديس أبابا لا يعني أن باب التفاوض قد أُغلق، ولا يعني أيضًا أن الصفقة قد أصبحت قريبة. بالعكس، طرد الدبلوماسيين يكشف أن العلاقات وصلت إلى درجة عالية من الحساسية، لكنه في الوقت نفسه يضع حدودًا واضحة للمرحلة الحالية: هناك خلافات حقيقية، وهناك أوراق ضغط، وهناك رسائل متبادلة، لكن القنوات الدبلوماسية نفسها لم تختفِ.
ومن هنا، إذا كانت إثيوبيا تبحث فعلًا عن وساطة القاهرة، فإن المفارقة تصبح أكبر: الدولة التي طردت دبلوماسيًا مصريًا، والقاهرة التي ردت بالمثل، قد تجدان نفسيهما في الوقت نفسه أمام حاجة مشتركة إلى منع الأزمة من التحول إلى انفجار إقليمي.
وإذا وصلت أديس أبابا فعلًا إلى مرحلة البحث عن وساطة القاهرة، فإن مصر لن تكون مجرد طرف في ملف سد النهضة، وإنما ستصبح جزءًا أساسيًا من أي معادلة محتملة للحل في القرن الأفريقي.
وفي النهاية، كل طرف لديه أجندته وشروطه وأوراقه، وكل طرف يعرف أن الورقة التي يستخدمها اليوم قد يحتاج إليها غدًا على طاولة التفاوض.
لذلك فالمسألة ليست مباراة يحسمها طرف بضربة واحدة، وإنما عملية طويلة ستتداخل فيها حسابات الداخل الإثيوبي مع حسابات دول الجوار والقوى الدولية.
المهم أن الخلاف لم يعد فقط حول سد النهضة، ولا حتى حول إثيوبيا وحدها. القضية أصبحت مرتبطة باستقرار القرن الأفريقي كله، وبمنع تحول الصراع الداخلي الإثيوبي إلى أزمة إقليمية تمتد إلى النيل والبحر الأحمر والصومال والسودان وإريتريا.
وقد يطول الطريق، وقد تتغير الشروط، وقد تظهر أوراق جديدة، وقد نشهد خلال الأيام المقبلة خطوات تصعيدية أخرى أو محاولات لفتح قنوات خلفية للتفاوض.
لكن في السياسة، عندما تضيق كل الطرق، تبدأ الدول في البحث عن الطريق الذي لم يكن مطروحًا على الطاولة من الأساس.




