ثقافةقصصمقالات

جحا في جمهورية أم العجائب !!!

◙ سطور من واحة الظلال - تكتبها : دنيا عبدالفتاح النجار ...

في أقصى خرائط الحكايات وعلى حدود الواقع والخيال تقع جمهورية أم العجائب الجمهورية التي لا تشبه أحدا ولا يجرؤ أحد على أن يشبهها.

          

هى الدولة الوحيدة فى العالم التي نجحت في تحقيق معادلة مستحيلة أن يزداد كل شيء إلا ما يحتاجه المواطن.

 

هي جمهورية عاشت ثورات ونجت من أزمات وأنتجت من الوعود أكثر مما أنتجت من الحلول.

 

وفي أسواق جمهورية أم العجائب؛

  • حيث يبيع البائع السلعة
  • ويبيع السياسي الأمل
  • ويبيع المواطن ما تبقى من صبره

 

 خرج جحا ذات صباح إلى الاسواق يسير خلف حماره (مغلوب) فوجد وجوه متعبة وجيوب خالية لا أحد يحمل أكياسا الجميع جاءوا ليتفرجوا على الأسعار الجديدة كما يشاهد الناس مباريات كرة القدم.

 

وبينما كان حجا يسير في الأسواق قابله صديقه القديم (أبو العريف) الذي بدا عليه التعب والحيرة فإقترب منه قائلا :

 

يا جحا يقولون أن أهل جمهورية أم العجائب ثاروا مرتين مرة بحثا عن الحلم ومرة خوفا من ضياعه فاحكى لي ماذا حدث؟

 

فقال له جحا :

 

يا صديقي كانت عندنا ثورة اسمها ثورة الخامس والعشرين من شهر الصقيع الكبير  يوم اكتشف المواطن أنه يملك صوتا في ذلك اليوم خرج أهل جمهورية أم العجائب يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة وأشياء جميلة تكتب عادة في مقدمات الدساتير والقصائد.

 

وكانت هذه أول مرة يكتشف فيها المواطن أن الشارع ليس فقط مكانا للزحام بل مكانا للأحلام أيضا ؛

 

فقد سقط الخوف..

وارتفعت الأصوات..

 وعاد الأمل..

 

شعر المواطن أنه موجود لكن ؛

في جمهورية أم العجائب عندما تفتح أبواب التاريخ يدخل الجميع.

دخل السياسي ودخل التاجر ودخل الباحث عن السلطة، ودخل من اعتقد أنه وحده يملك الحقيقة وأصبح الجميع يتحدث باسم الوطن حتى اختفى صوت الوطن نفسه.

 

استكمل حجا حديثه لصاحبه فقال المشكلة في جمهورية أم العجائب لم تكن في الثورة نفسها بل في الذين ظنوا أن الثورة غنيمة وليست مسؤولية.

 

بعد الثورة قرر أهل أم العجائب أن يجربوا طريقا جديدا فجاءت جماعة سياسية أطلق عليها جماعة الإخوان الشياطين.

 

 كانت تقول إنها تحمل الحلول لكل شيء للاقتصاد وللسياسة وللمستقبل وربما أيضا للطقس وأحوال الزراعة.

 

حتى وصل الرئيس مرسي إلى قصر الحكم فرح به أنصاره وانتظر خصومه ووقف المواطن العادي في المنتصف.

 

وكان الرئيس كلما ألقى خطابا يجلس أهل جمهورية أم العجائب في المقاهي والأسواق يحاولون فهم ما قيل فمنهم من كان يشعر إنه غبى ومنهم من كان يشعر بالأعاقة العقليه  فكانت جماعة الإخوان الشياطين أظهرت انهم حاملين مقدمات البناء لكنهم جاءوا حاملين دفاتر الحسابات القديمة وأحلام السيطرة الجديدة.

 

كانوا يتحدثون باسم الفضيلة بينما يتشاجرون على السلطة ويعدون الناس بالجنة فكانت الجمهورية تزداد انقساما يوما بعد يوم حتي الخوف نفسه أصبح متملكا من المواطن.

 

في تلك الأيام كانت أخبار العنف والاغتيالات والهجمات تتسلل إلى بيوت الناس وكل من يعارضهم لم يكتفوا بالصراع على الحكم بل فتحوا أبوابا من الفوضى والعنف لم يعرفها الناس من قبل.

 

أصبح الضابط الذي يخرج من بيته لا يعلم إن كان سيعود وأصبح القاضي ينظر خلفه أكثر مما ينظر أمامه وأصبح المواطن العادي صامتا أن يقول رأيه خوفا علي حياته.

 

 ثم جاءت ثورة الثلاثين من شهر الحر العظيم خرج الموطنين بأعداد كبيرة ليس بحثا عن حلم جديد.

 

بل خوفا على الدولة من أن تضيع وقالوا إن السفينة تحتاج إلى قبطان جديد قبل أن تغرق.

 

فأعادت الدولة تماسكها وأعادت الشعور بالأمان للمواطنين وأنهت حالة الصراع التي كانت تستنزف الجميع وعاد الاستقرار النسبي.

 

ثم سكت جحا قليلا .

 

فقال له (أبو العريف) لماذا توقفت؟

 

أجابه جحا  لأن الحديث عن الحاضر يحتاج إلى تصريح أمني من الـ”مستقبل..”.

 

ثم اقترب من صديقه وهمس:

المشكلة يا صاحبي فى جمهورية أم العجائب اكتشفت معجزة اقتصادية فريدة فكلما ارتفعت الأسعار ارتفعت معها الابتسامات الرسمية.

 

ففى جمهورية أم العجائب يوجد وزير اعتقد نفسه أنه عظيم اقتصادي استثنائي.

 

لا يرحل..

 

لا يتغير..

 

لا يغضب..

 

ولا يتوقف عن الابتسام..

 

 فكان يخرج علي أهل أم العجائب..

 

يقول لهم ذلك الوزير المخلد: أن الأمور تحت السيطرة.

 

فنحن نرفع الأسعار حفاظا على استقرار ارتفاعها.

 

فالوزير في أم العجائب لا يشيخ يعتبر مخلدا سياسيا  يعلن زيادة جديدة بابتسامة وطنية.

 

أضاف جحا في همس قائلا لصديقه:

اختفت الطبقة الوسطى اختفاء غريبا حتى بدأ بعض المؤرخين يبحثون عنها في كتب التاريخ بعدما فشلوا في العثور عليها في الواقع.

 

أصبح الفقير أكثر فقرا . وأصبح متوسط الحال يحلم بأن يعود إلى أيام كان فيها متوسط الحال.

 

ولم تتوقف الحكاية عند هذا الحد ؛

فقد ارتفعت معدلات الطلاق ؛

وأرتفعت أسعار  كل شيء إلا الرواتب.

 

وازدادت البطالة لأن الوظائف أصبحت مثل الأحلام ولكنها متاحة مجانية لأهل القمة فقد أنتشرت أخبار الجرائم والضغوط النفسية.

 

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه معدلات البطالة والفقر ارتفعت أيضا معدلات الجريمة كان الخبراء يؤكدون علي الشاشات أن اليأس عندما يطول بقاؤه يصبح جزءا من الروتين اليومي للمواطن فيتحول إلى عادة صحية لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها لأنه يخفف عنه عبء التوقعات والأحلام.

 

بعد ما وصف حجا لصديقه (أبو العريف) أحوال أهل أم العجائب نظر إلى حماره وأبتسم وقال:

المنتصر الوحيد في جمهورية أم العجائب هو الحمار (مغلوب) لأنه الوحيد الذي يحمل الأعباء منذ سنوات ولا يزال صامتا ولم يفكر حتى الآن في الدخول إلى السياسة . ثم صعد جحا فوق حماره وغادر السوق.

 

وقبل أن يختفي همس لصديقه (أبو العريف) فقال له سمعت أن حكومة جمهورية أم العجائب تدرس فرض ضريبة جديدة على الأحلام.

 

فهي السلعة الوحيدة التي ما زال المواطن يستهلكها مجانا على كل حال لا تقلق يا صديقي فالأمل مازال مجانيا لنا.

 

ثم مضى جحا وحماره وسط السوق بينما فأرتفع صوت أحد الباعة من بعيد.

 

سارعوا بشراء الأمل فقد تقرر رفع سعره اعتبارا من الغد فأصيب (أبو العريف) بصدمة أو ربما جلطة.

 

وأغلق عينيه لدقيقة خوفا من أن يفتحها فيجد أن الحزن نفسه أصبح خاضعا للضريبة.

 

وانتهت الحكاية لكن أهل جمهورية أم العجائب ما زالوا ينتظرون النهاية السعيدة التي وعدوا بها منذ سنوات.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى