منوعات

حين يصبح الصمت خطابًا… قراءة سياسية–روحانية–لاهوتية في كلمة البطريرك يوحنا العاشر

حين يصبح الصمت خطابًا… قراءة سياسية–روحانية–لاهوتية في كلمة البطريرك يوحنا العاشر

وديع فايز الشماس

في زمن الضجيج والانقسامات، اختار غبطة البطريرك يوحنا العاشر أن يوجز عظته في اثنين الباعوث بكلمة واحدة: «كلمتي اليوم لكم هي الصمت». عبارة بدت للوهلة الأولى انكفاءً عن القول، لكنها في سياقها الروحي والوطني تحمل دلالات كثيفة، تجعل من الصمت خطابًا بليغًا يتجاوز حدود البلاغة التقليدية، ويؤسس لقراءة لاهوتية–سياسية عميقة.

الصمت كلغة لاهوتية
في اللاهوت الشرقي، لا يُفهم الصمت على أنه غياب للكلمة، بل اكتمال لها. هو مساحة حضور إلهي حيث تعجز اللغة البشرية عن احتواء الحقيقة الكاملة.
– صمت المسيح أمام محاكميه كان إعلانًا لقوة الحق لا ضعفًا.
– الصمت في زمن الألم هو مشاركة في سر الفداء، لا هروب منه.

من هنا، يصبح اختيار البطريرك للصمت في زمن الصوم الكبير امتدادًا لهذا التقليد: دعوة إلى التأمل لا إلى الجدل، وإلى الصلاة لا إلى الاستقطاب.

 

الصمت كرسالة سياسية
في سوريا المثقلة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يتحول الصمت إلى موقف سياسي بامتياز، لكنه موقف غير تصادمي:
– تجنّب الاستقطاب: أي كلمة صريحة قد تُستغل في الانقسام.
– احتجاج صامت: الصمت أحيانًا أبلغ من التصريح، يترك للمتلقي مسؤولية الفهم.
– إعادة البوصلة: وسط ضجيج الخطابات، يصبح الصمت دعوة للعودة إلى الجوهر: الإنسان، الكرامة، الوطن.

بهذا المعنى، يقدّم البطريرك خطابًا سياسيًا غير مباشر، يوازن بين مسؤولية الكنيسة الروحية وواجبها الوطني.

 

من الكلمة الجريئة إلى الصمت العميق
سبق للبطريرك أن اتسمت مواقفه بالجرأة والوضوح في توصيف الواقع. الانتقال من الكلام المباشر إلى الصمت ليس تراجعًا، بل تطور في أدوات التعبير:
– حين لا تكفي الكلمات، يصبح الصمت لغة بديلة.
– حين يُقال كل شيء، يبقى الصمت ليقول ما لا يُقال.

الصمت هنا ليس فراغًا، بل امتلاء بالمعنى والرمزية.

 

البعد الروحي–الوطني
رغم اختياره الصمت، ختم البطريرك بتحية القيامة: «المسيح قام»، متمنيًا السلام والاستقرار لسوريا.
الصمت = توصيف الألم
القيامة = إعلان الرجاء

إنها معادلة لاهوتية–وطنية عميقة: الاعتراف بالمعاناة دون الاستسلام لها، والتشبث بالرجاء رغم قساوة الواقع.

 

الرسالة المضمرة
يمكن تلخيص الرسالة التي أراد البطريرك إيصالها عبر الصمت في مستويات متعددة:
– للكنيسة: دعوة إلى التوبة والعودة إلى العمق الروحي.
– للمجتمع السوري: الإقرار بالألم دون الوقوع في الانقسام.
– للسياسيين: تذكير بأن الواقع تجاوز قدرة الخطاب على التبرير.
– للعالم: سوريا ما زالت تصلي… حتى بصمت.

الصمت الذي يهزّ الضجيج
في زمن الأزمات، قد يكون الصمت أصدق من الخطب. كلمة البطريرك يوحنا العاشر لم تكن غيابًا للكلام، بل حضورًا مكثفًا للمعنى.
إنه صمتٌ يقول الكثير: عن ألم وطن، عن إيمان كنيسة، وعن رجاء شعب. صمتٌ يُدرك أن بعض الحقائق لا تُقال… بل تُعاش.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى