ذكري المذيع التونسي القدير المبدع صالح جغام

ذكري المذيع التونسي القدير المبدع صالح جغام
إعداد صفحة سوسة زمان
متابعة الحبيب بنصالح
ذكري المذيع التونسي القدير المبدع صالح جغام
فارس الميكروفون الذي استعذبنا كلماته في زمن “تعذيب الكلمات”
إعداد صفحة سوسة زمان
تمر ذكرى رحيل الإعلامي التونسي الفذ صالح جغام (22 فيفري 1991) لتعيد إلى الأذهان صورة “الزمن الجميل” للإعلام، حين كانت الكلمة أمانة، والنطق فنّاً، والحوار ثقافة. لم يكن جغام مجرد مذيع مرّ عبر الأثير، بل كان “حالة إبداعية” نادرة، صهرت الثقافة الواسعة بالكاريزما الطاغية، ليصبح أحد أعمدة العصر الذهبي للإذاعة والتلفزة التونسية.
من حمام سوسة إلى عرش “المصدح”
ولد صالح جغام في 5 ماي 1945 بمدينة حمام سوسة، ونشأ وفي قلبه شغف لا ينطفئ بالكلمة المكتوبة والمسموعة. التحق بمؤسسة الإذاعة سنة 1964، ومنذ تلك اللحظة، بدأ صوته الدافئ والمثقف يشق طريقه إلى قلوب المستمعين. تلميذه النجب للرواد أمثال أحمد اللغماني وعبد العزيز قاسم، جعل منه “صحفياً شاملاً” يجمع بين دقة القلم في رئاسة تحرير “مجلة الإذاعة والتلفزة”، وبين سطوة الحضور في برامج شهيرة مثل “ليال عربية” و**”حقيبة المفاجآت”**.
صائد العمالقة: حينما يكون المحاور نداً
لم يكن صالح جغام يكتفي بنقل الخبر، بل كان يصنعه من خلال حوارات ستبقى مرجعاً للأجيال. حاور القمم العربية في الأدب والفن والسياسة؛ من نزار قباني ومحمود درويش، إلى محمد عبد الوهاب وهيكل وعبد الحليم حافظ.
كان جغام “سريع الاستفزاز” في الحق، لا يقبل أن تُمس كرامته المهنية أو الثقافية، ولعل قصصه مع المشاهير تبرز ذلك بوضوح:
مع عادل إمام: حين أقفل “الزعيم” الخط في وجهه، لم يبتلع جغام الإهانة، بل ذهب إليه في مقر إقامته ليواجهه بصرامة “الصحفي المعتز بذاته”، ولم ينتهِ الخلاف إلا باعتذار وتدخل رفيع المستوى، تحول لاحقاً إلى سهرة تلفزيونية كبرى.
مع فاتن حمامة: غادر الأستوديو وأوقف التسجيل لمجرد أن “سيدة الشاشة العربية” نسبت بيت شعر لأبي القاسم الشابي إلى أحمد شوقي. كان هذا الموقف يجسد “جغام”؛ الإعلامي الذي لا يقبل بالرداءة أو الخطأ المعرفي حتى لو كان الثمن خسارة سبق صحفي.
انحياز للوجع الإنساني.. والرحيل الصادم
لا يمكن نسيان صوته المرتجف وبكائه على الهواء مباشرة يوم 13 فيفري 1991 وهو ينقل مأساة ملجأ العامرية في بغداد. كانت تلك الدموع هي “مانيفيستو” الانتماء القومي والإنساني الذي عاش به.
لكن القدر كان يخبئ رحيلاً درامياً يشبه حياته المليئة بالصخب الإبداعي؛ فبعد أيام قليلة من تلك الواقعة، وتحديداً في 22 فيفري 1991، اختنق “صوت تونس” بالغاز في منزله، ليرحل عن عمر ناهز 46 عاماً، تاركاً خلفه فراغاً لم يملأه أحد.
إرث يبقى في “مقبرة الزهور”
اليوم، ونحن نعيش في زمن تلاشت فيه المعايير، وطغى فيه “الغثاء” الإعلامي، يبرز اسم صالح جغام كمنارة نعود إليها لنعرف كيف يكون الإعلام رسالة لا مجرد مهنة. ورغم الانتقادات التي طالت تماهيه مع سلطة عصره، إلا أن أحداً لا يجرؤ على التشكيك في تمكنه اللغوي وفصاحته التي جعلته بحق “فارس القول” الذي نفتقده اليوم.
”رحم الله صالح جغام، الذي علمنا أن الصحفي ليس مجرد ناقل للكلمات، بل هو حارس للذوق العام، وعاشق لا يخون ميكروفونه.”
إعداد صفحة سوسة زمان





