مقالات

زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر

زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر
قراءة سياسية في المباحثات والاتفاقيات والرسائل الإقليمية
بقلم ✍️
العميد المستشار د. منصور القاضي
محلل سياسي وعسكري في الشؤون الدولية واليمنية:

تمثل زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، إلى جمهورية مصر العربية محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية السعودية، خصوصًا أنها جاءت في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها أزمات البحر الأحمر وباب المندب، والحرب في غزة، وأمن الخليج، والتوترات الإقليمية، إلى جانب ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة.

وقد عقد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد لقاءً ثنائيًا أعقبته مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين، مع بحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

أولًا: البعد السياسي

الرسالة السياسية الأساسية للزيارة هي التأكيد على استمرار التنسيق المصري السعودي في الملفات الإقليمية.

فالقاهرة والرياض تتحركان في بيئة أمنية واحدة تقريبًا من حيث تأثرهما بأمن البحر الأحمر والخليج والأوضاع في اليمن وغزة والسودان والقرن الأفريقي.

كما أكد الأمير محمد بن سلمان حرص المملكة على استمرار التنسيق والتشاور مع مصر بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك وفتح آفاق جديدة للتعاون.

وهذا يعني أن العلاقة لا تقتصر على العلاقات الثنائية، وإنما تمتد إلى التنسيق بشأن الأزمات الإقليمية وإدارة المخاطر المشتركة.

ثانيًا: البحر الأحمر وباب المندب

هذا الملف يكتسب أهمية خاصة في التوقيت الحالي.

فمصر تعتمد بصورة كبيرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، والسعودية ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وساحلها الغربي، بينما يمثل اليمن وباب المندب نقطة اتصال استراتيجية بين الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

ومن ثم فإن أي اضطراب في باب المندب ينعكس على أمن الملاحة والتجارة والطاقة، ويصبح التعاون المصري السعودي في هذا الملف ذا أهمية استراتيجية.

وهنا يمكن طرح السؤال السياسي:

هل تتجه القاهرة والرياض إلى تطوير مستوى التنسيق السياسي والأمني بشأن أمن البحر الأحمر، وليس فقط تبادل المواقف؟

هذا السؤال سيكون من أهم محاور المتابعة بعد الزيارة.

ثالثًا: القضية الفلسطينية وغزة

القضية الفلسطينية تظل أحد الملفات الأساسية في السياسة المصرية والسعودية.

مصر تمتلك دورًا مباشرًا في ملفات وقف إطلاق النار والمساعدات والاتصالات المتعلقة بغزة، بينما تؤكد السعودية بصورة مستمرة مركزية القضية الفلسطينية في سياستها الإقليمية.

لذلك فإن أي تنسيق مصري سعودي في هذا الملف يمكن أن يتناول:

– وقف التصعيد.
– حماية المدنيين.
– إدخال المساعدات الإنسانية.
– مستقبل قطاع غزة.
– المسار السياسي للقضية الفلسطينية.
– إقامة الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية.

رابعًا: اليمن

اليمن يمثل ملفًا مشتركًا شديد الحساسية بالنسبة للقاهرة والرياض.

السعودية ترتبط مباشرة بأمن الحدود الجنوبية وأمن البحر الأحمر، بينما مصر ترتبط بأمن الملاحة وقناة السويس وباب المندب.

ومن هنا يمكن أن يكون اليمن حاضرًا ضمن النقاشات المتعلقة بالأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل التهديدات للملاحة البحرية.

والأهم سياسيًا أن أي تحرك مصري سعودي بشأن اليمن لا ينبغي النظر إليه باعتباره ملفًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من منظومة أمن البحر الأحمر والخليج.

خامسًا: العلاقات الاقتصادية والاستثمارات

الاقتصاد يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للعلاقة بين القاهرة والرياض.

وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في الاستثمارات السعودية في مصر، مع توجه البلدين نحو تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.

كما أن مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي يمثل إطارًا مؤسسيًا مهمًا لتنظيم التعاون في مختلف المجالات. وقد أُنشئ المجلس في 2024، وشهدت الزيارة آنذاك توقيع محضر تشكيله إلى جانب اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة.

وفي المجال الاقتصادي، تتركز فرص التعاون في:

الاستثمار – الصناعة – الطاقة – النقل – البنية التحتية – التكنولوجيا – السياحة – التطوير العمراني – الخدمات اللوجستية.

وكانت مباحثات سابقة بين الرئيس السيسي وولي العهد قد تناولت توسيع الاستثمارات المشتركة والتكامل الصناعي وتوطين الصناعات التكنولوجية والنقل والطاقة الجديدة والمتجددة والتطوير العمراني.

سادسًا: الطاقة

يمثل التعاون في الطاقة أحد الملفات الاستراتيجية بين البلدين.

ويمكن أن يشمل مستقبل التعاون:

– الطاقة التقليدية.
– الطاقة المتجددة.
– الكهرباء.
– الهيدروجين والطاقة النظيفة.
– الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة.

وهذا الملف يرتبط أيضًا بالتحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية في إطار رؤية 2030، وبحاجة مصر إلى توسيع مصادر الاستثمار والطاقة.

سابعًا: الاستثمار السعودي في مصر

الاستثمار السعودي لا يحمل أهمية اقتصادية فقط؛ بل له بعد سياسي أيضًا.

فزيادة الاستثمارات تعني انتقال العلاقة من مستوى الدعم السياسي التقليدي إلى شراكة اقتصادية طويلة الأجل.

وتشير بيانات وتقارير اقتصادية حديثة إلى نمو العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، مع استمرار البحث عن فرص جديدة للقطاع الخاص السعودي والمصري.

ثامنًا: البعد الأمني والاستراتيجي

مصر والسعودية دولتان محوريتان في النظام العربي، ولذلك فإن التنسيق بينهما يكتسب أهمية تتجاوز حدود البلدين.

وتشترك الدولتان في الاهتمام بأمن:

الخليج العربي – البحر الأحمر – قناة السويس – باب المندب – أمن الطاقة – مكافحة الإرهاب – حماية الملاحة الدولية.

لكن يجب التمييز بين التنسيق السياسي والأمني المعلن وبين أي ترتيبات عسكرية أو عملياتية محددة؛ فلا ينبغي القول بوجود اتفاق عسكري جديد إلا إذا صدر إعلان رسمي بذلك.

ماذا تعني الزيارة إقليميًا؟

يمكن قراءة الزيارة في أربعة اتجاهات:

1. تعزيز المحور المصري السعودي

الزيارة تؤكد استمرار التواصل السياسي بين القاهرة والرياض في مرحلة تتطلب تنسيقًا عربيًا أكبر بشأن الأزمات الإقليمية.

2. أمن البحر الأحمر

الأحداث في البحر الأحمر وباب المندب تجعل التنسيق المصري السعودي أكثر أهمية، لأن أي اضطراب في المنطقة يؤثر على الملاحة والتجارة والطاقة.

3. إدارة الأزمات العربية

مصر والسعودية تمتلكان أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية مختلفة، ولذلك فإن تنسيق المواقف بينهما يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في التعامل مع أزمات المنطقة.

4. الانتقال من العلاقات التقليدية إلى الشراكة المؤسسية

مجلس التنسيق الأعلى والاستثمارات المشتركة يقدمان إطارًا مؤسسيًا لتطوير العلاقة بعيدًا عن الزيارات البروتوكولية فقط.

الخلاصة السياسية

زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ليست مجرد زيارة بروتوكولية، وإنما تأتي في توقيت إقليمي حساس يجعل مصر والسعودية أمام ملفات أمنية وسياسية واقتصادية مترابطة.

والرسالة الأبرز هي استمرار التنسيق بين القاهرة والرياض، مع فتح المجال أمام توسيع الشراكة الاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصًا في ملفات البحر الأحمر والملاحة الدولية والقضية الفلسطينية واليمن والاستقرار الإقليمي.

أما الاتفاقيات الجديدة التي تم توقيعها خلال زيارة 15 سبتمبر 2026 تحديدًا، فيجب التعامل معها بدقة، والتمييز بينها وبين الاتفاقيات السابقة أو الملفات التي نوقشت دون توقيع اتفاق نهائي.

وعليه، فإن السؤال الأهم بعد الزيارة ليس فقط: ماذا اتفق الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان؟ وإنما: كيف ستتحول التفاهمات السياسية إلى آليات عملية في الاقتصاد وأمن البحر الأحمر وإدارة الأزمات العربية؟

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى