مقالات

سرد بلا حدود إيمان السعدوني… من مكتبة المدرسة إلى منفى الحنين

سرد بلا حدود
إيمان السعدوني… من مكتبة المدرسة إلى منفى الحنين

بقلم: السيد حافظ

هناك صداقات لا تبدأ بمصافحة، بل تبدأ بكتاب، أو بفكرة، أو بحلم صغير. وهكذا بدأت رحلتي مع إيمان السعدوني، رحلة امتدت من مكتبة مدرسة الإسكندرية الثانوية إلى شوارع القاهرة، ثم إلى باريس، قبل أن يختطفه الرحيل، تاركًا في الذاكرة صورة إنسان أحب الوطن حتى آخر العمر.
كان قدري أن أبدأ الكتابة مبكرًا. ففي المرحلة الإعدادية بمدرسة النهضة النوبية كنت أؤلف الاسكتشات المسرحية لفرقة المدرسة، لأنني لم أكن أعرف من أين تأتي النصوص المسرحية، ولا كيف يحصل طالب صغير على نص مكتوب. كانت الكتابة بالنسبة لي ضرورة، قبل أن تكون موهبة.
ثم جاءت المرحلة الثانوية، فأصبحت رئيسًا لاتحاد طلاب مدرسة الإسكندرية الثانوية، ورئيسًا لاتحاد طلاب محافظة الإسكندرية، وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب الجمهورية. وكانت المدرسة نفسها قطعة من تاريخ الإسكندرية؛ قصرًا قديمًا للخواجة منشا، التاجر اليهودي الشهير، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدينة. وكانت قاعاته تحفًا معمارية، أما المكتبة فكان سقفها مزدانًا برسوم الملائكة والملوك والقصور، وكأنها معبد للمعرفة.
وفي تلك المكتبة التقيت بالرجل الذي غيّر حياة أجيال من الطلاب، الأستاذ السيد أبو زيد، أمين المكتبة. لم يكن موظفًا يحرس الكتب، بل كان حارسًا للعقول. كان يفتح أبواب المكتبة منذ الصباح، ويجذب إليها الطلاب، ويدعوهم إلى القراءة، ويقنعهم بأن الكتاب هو الطريق الوحيد إلى الحرية.
وذات يوم قال لي:
“لماذا لا نصدر مجلة للمدرسة؟”
كانت فكرة بسيطة، لكنها بالنسبة إلينا كانت مشروعًا ثقافيًا حقيقيًا. أعلنت عنها في الإذاعة المدرسية، ودعوت كل من يحب الكتابة أو الرسم أو الثقافة إلى الاجتماع في المكتبة.
كان من بين الحاضرين شاب نحيل، أبيض الوجه، يرتدي نظارة، تبدو على ملامحه براءة الأطفال.
قال بهدوء: “أنا سأكتب.”
كان ذلك أول لقاء لي بإيمان السعدوني.
وحضر أيضًا سيد سرحان، الذي كان الطلاب يلقبونه بـ”سيد حشيشة”، خفيف الظل، صانع البهجة، وإن لم يكن صاحب موهبة أدبية كبيرة.
أما إيمان، فقد لفت نظري منذ اللحظة الأولى بثقافته وشغفه بالقراءة. كان يغوص في مجلدات «قصة الحضارة» لويل ديورانت، وكنا نتسابق في قراءتها ومناقشتها، بينما كان الأستاذ السيد أبو زيد يزرع فينا احترام الفكر، ويقيم الندوات، ويجعل المكتبة قلب المدرسة النابض.
وشارك الفنان علي بكير، الذي أصبح فيما بعد أستاذًا بكلية الفنون الجميلة، في رسم الكاريكاتير وإخراج المجلة على آلة الاستنسل، فتحولت المكتبة إلى ورشة ثقافية حقيقية.
كان إيمان ابن عم محمود السعدوني، صاحب مكتبة المصنع الصغير بشارع محرم بك، وهو رجل قضى سنوات من عمره في السجن بسبب انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخرج يحمل آثار تلك السنوات على ملامحه وكلامه، لكن أسرته ظلت مثالًا للبساطة والكرم.
وسرعان ما أصبح إيمان واحدًا من أفراد أسرتي. كان يزور بيتنا باستمرار، وأحبته أمي حبًا شديدًا، لما عرفت فيه من نقاء القلب ودماثة الخلق. كان، بحق، يشبه رغيف الخبز الساخن؛ بسيطًا، طيبًا، يمنح من حوله دفئًا لا يُنسى.
ولم يكن إيمان مجرد صديق للمكتبة أو للكتابة، بل كان رفيقًا في الحلم الوطني. خرج معي في مظاهرات المدارس الثانوية تأييدًا لثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي، وشارك في المظاهرات المنددة بالاحتلال البريطاني في عدن، وكان يهتف من قلبه، مؤمنًا بأن حرية الأوطان لا تتجزأ، وأن معركة العربي في الجزائر أو عدن هي معركة المصري في الإسكندرية والقاهرة.
وكنا نحلم، ونحن لم نتجاوز سنوات الشباب الأولى، بإعداد مشروع للثورة الثقافية، نؤمن بأن تحرير العقل يسبق تحرير الأرض، وأن المسرح والكتاب والقصيدة ليست ترفًا، بل أدوات لبناء الإنسان ومواجهة الهزيمة.
ثم جاءت نكسة يونيو 1967، وأعقبتها محاكمات المسؤولين عنها، فشعرنا، نحن أبناء ذلك الجيل، أن العدالة لم تصل إلى حجم الكارثة، وأن الوطن ما زال ينزف.
خرجنا في مظاهرات طلابية مع جامعة الإسكندرية، خاصة في كلية الهندسة. وعندما وصلنا إلى نقطة شرطة باب شرق، هاجمت الشرطة المتظاهرين. اندفع بعضهم إلى داخل الكلية، بينما اضطر آخرون، وكنت منهم، إلى التراجع.
أما إيمان السعدوني فقد دخل مع المعتصمين، وأُلقي القبض عليه.
وفي تلك الأيام كان كثير من الطلاب المقبوض عليهم يُحالون إلى الخدمة العسكرية لثلاث سنوات بوصفها عقوبة تأديبية، لكن القدر أنقذ إيمان من ذلك لأسباب صحية، فخرج بعد فترة من الاحتجاز.
ما آلمني أن كثيرًا ممن كانوا يملأون المكتبة صخبًا لم يسألوا عنه.
وسألتني أمي:
“ما أخبار صاحبك إيمان؟”
قلت: “في السجن.”
فقالت: “اذهب إلى أمه… فالشدائد تكشف معادن الناس.”
كانت نصيحة من أم عظيمة.
ذهبت إلى عم محمود السعدوني، فرحب بي، وطلب من ابنه مؤمن أن يصحبني إلى البيت.
وما إن رأتني والدته حتى انفجرت بالبكاء.
قلت لها: “لا تبكي… سيخرج ابنك مرفوع الرأس. إنه يحب مصر، ويحب وطنه.”
خرجت وأنا أشعر أنني قمت بواجب إنساني قبل أن يكون واجب صداقة، أما إيمان فقد ظل يحمل هذه الزيارة في قلبه سنوات طويلة.
وفي عام 1970 انتقلت إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بينما التحق إيمان بكلية الإعلام قسم الصحافة.
كنت أقيم في المنيرة، وكان يقيم في المدينة الجامعية، فكنا نلتقي كل عدة أيام في مقهى إيزافيتش أو مقهى وادي النيل بميدان التحرير، نتحدث عن المسرح والأدب والسياسة، ونحلم بوطن أكثر عدلًا وأكثر جمالًا.
وفي تلك الفترة طبعت على آلة الاستنسل أولى مسرحياتي «ستة رجال في معتقل»، بدعم من اتحاد طلاب كلية دار العلوم، بموافقة الدكتور أحمد هيكل، وتشجيع أستاذنا الكبير الدكتور عبد القادر القط، الذي كان يرى أن للمسرح رسالة، وكان يشجعني على أن أواصل الطريق.
كنت أحمل نسخ المسرحية بيدي، وأطرق أبواب المسارح والمخرجين، من المسرح القومي إلى هيئة المسرح، وأوزعها على كل من أستطيع الوصول إليه.
وحين دعوت إيمان أن يرافقني، رفض وقال:
“هذا تسول للشهرة.”
قلت له:
“ليس تسولًا… بل محاولة لأن يصل النص إلى من يقرأه. لن يأتي أحد إلينا إذا بقينا ننتظر.”
اختلفنا يومها، لكن صداقتنا بقيت أقوى من أي خلاف.
ومرت السنوات.
وفي عام 1986 فوجئت بإيمان يدخل عليّ في مقر مجلة رؤيا بسموحة، قادمًا من باريس.
احتضنته بفرح، وأهداني بطاقة بريدية عليها وردة، وقلم حبر، وقلمًا جافًا، وقال مبتسمًا:
“لم أستطع أن أحضر لك هدية من باريس.”
ثم طلب مني أن أساعده في الحصول على صفة صحفية.
كتبت له خطابًا رسميًا، وأثبتُّ في أوراق التأمينات أنه سكرتير تحرير مجلة رؤيا، وسددت من مالي الخاص اشتراكاته التأمينية.
وحين علم بذلك غضب، وأصر أن يرد إليّ المبلغ، لأنه كان عزيز النفس، لا يقبل أن يتحمل أحد عنه شيئًا.
عاد إلى باريس، وانقطعت أخباره سنوات.
وعلمت بعد ذلك أنه تزوج، وكان يعاني من تأخر الإنجاب، فقلت له يومًا:
“لا تيأس… الطب يتقدم، والله كريم.”
وبعد سنوات أخبرني الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد، الذي التقاه في باريس، أن الله رزقه بابنتين، وأراني صورتهما، ففرحت له كما يفرح الأخ لأخيه.
هكذا كان إيمان السعدوني…
لم يكن زعيمًا سياسيًا، ولم يسع إلى منصب، ولم يطلب شهرة، لكنه كان واحدًا من أولئك الجنود المجهولين الذين آمنوا بأن الوطن فكرة قبل أن يكون حدودًا، وأن الثقافة فعل مقاومة، وأن الكتاب يمكن أن يكون بندقية أخرى في مواجهة الجهل والهزيمة.
عاش وجع الوطن كما عشناه جميعًا بعد نكسة يونيو، وحمل أسئلة جيل كامل ظل يبحث عن العدالة والحرية والكرامة. وعندما حملته الأيام إلى باريس، لم يحمل معه حقائب السفر وحدها، بل حمل الإسكندرية، ومكتبة المدرسة، وأصوات المظاهرات، ورائحة البحر، وأحلام جيل كان يظن أن الثقافة قادرة على تغيير العالم.
كانت الغربة بالنسبة إليه مكانًا، لكنها لم تصبح يومًا وطنًا. ظل قلبه معلقًا بمصر، وظلت مصر تسكن كتاباته وأحاديثه وحنينه. وربما كان هذا هو المعنى الحقيقي للانتماء؛ أن تبتعد بالجسد، بينما تبقى الروح مقيمة على ضفاف الوطن.
سلام عليك يا إيمان…
سلام على ذلك الفتى الذي خرج من مكتبة صغيرة ليحمل وطنًا كبيرًا، والذي ظل وفيًا لحلمه حتى آخر العمر.
أما نحن، أبناء ذلك الجيل، فلم نخسر المعارك وحدها، بل خسرنا أيضًا أجمل الوجوه التي آمنت بأن الثقافة يمكن أن تكون خلاصًا، وأن الوطن يستحق أن نحلم به حتى النفس الأخير.
تمت
السيد حافظ
القاهرة ٢٠٣٦
الصورة
ايمان يجلس فى باريس كنت أحدثه عنها ليلا
……
راى الذكاء الاصطناعي جروك
النص ليس مجرد تذكرة شخصية، بل سرد تأسيسي يحاول إعادة بناء هوية جيل كامل (جيل النكسة واليسار الثقافي المصري) من خلال شخصية إيمان كرمز. دريدا يقول إن كل نص يحتوي على ميتافيزيقا الحضور (metaphysics of presence) – افتراض أن هناك “مركز” أصلي ثابت (الوطن، الصداقة، الثقافة النقية). هذا النص يسقط في هذه الميتافيزيقا ثم ينهار من داخله.
1. تفكيك المركز الأصلي (Logocentrism):
المركز المُعلن: المكتبة = معبد المعرفة، مصدر الحرية والثورة الثقافية.
التفكيك العميق: المكتبة كانت في قصر “خواجة منشا” (تاجر يهودي). هذا يفضح أن “الأصل” المصري/الوطني مبني على طبقة استعمارية/رأسمالية/دينية أجنبية. المعرفة (قصة الحضارة لويل ديورانت) ليست أصيلة عربية، بل مستوردة غربية. الثقافة التي يمجدها النص هي بالأساس هجينة، ليست نقية كما يدّعي.
الصداقة كمركز: تبدأ بكتاب، تتحول إلى أخوة روحية.
التفكيك: الصداقة تظهر كعلاقة طبقية/رمزية. السارد (رئيس اتحاد طلاب، كاتب، صاحب اتصالات) يساعد إيمان (ابن عائلة إخوانية بسيطة) – زيارة الأم، دفع التأمينات، كتابة الخطاب. هذا “كرم” يخفي علاقة قوة: السارد هو “الكاتب/الفاعل”، وإيمان “المتلقي/الرمز”. حتى بعد الموت، السارد يمتلك سرد إيمان.
2. لعبة الـ Différance (التأجيل والاختلاف):
المعنى الرئيسي (الوفاء للوطن عبر الثقافة) مؤجل دائمًا:
الحرية الحقيقية مؤجلة (من المكتبة → المظاهرات → السجن → المنفى → الموت).
الثورة الثقافية مؤجلة (مسرحية “ستة رجال في معتقل” تُطبع على استنسل وتُوزع يدويًا، ثم يرفضها إيمان كـ”تسول”).
الوطن الحقيقي مؤجل (مصر في الذاكرة، باريس في الجسد).
هذا التأجيل لا ينتهي أبدًا – حتى في 2036 (تاريخ النص) يظل الحلم معلقًا. النص يعترف ضمنيًا بأن الخسارة هي الواقع الوحيد، لكنه يُجمّلها بحنين.
3. التناقضات السياسية/الأيديولوجية (أعمق طبقة):
النص يمزج بين يسار قومي ثقافي (مظاهرات الجزائر، النكسة، العدالة) وإسلام سياسي (عائلة إيمان والإخوان). هذا خليط تاريخي حقيقي في مصر، لكنه يفضح فشل كلا المشروعين: اليسار خسر بعد 67، والإخوان أدى إلى سجون وانقسام.
“الثقافة فعل مقاومة” مقابل الواقع: الجيل أصبح “جنودًا مجهولين” في المنفى أو النسيان. النص يكتب تاريخ المهزومين كملحمة، وهو ما يسميه دريدا supplement – إضافة تعوض النقص الأصلي (فشل الوطن).
4. الموت كـ Pharmakon (دواء/سم):
الموت هو الذي يسمح بتكريس إيمان كرمز نقي. لو عاش، لكان التناقض (الخلافات، الغربة، الإحباط) أكثر وضوحًا. الموت يُغلق النص، لكنه يفتحه على لا نهائية التأويل: هل إيمان رمز للمقاومة أم للهزيمة؟
خلاصة رأيي الأعمق:
هذا النص نصب تذكاري يحاول إنقاذ “روح الجيل” من الانهيار التاريخي بعد 1967 وحتى اليوم. لكنه، من منظور تفكيكي، يثبت عكس ما يقول: لا يوجد “مركز” ثابت (لا وطن نقي، لا صداقة مثالية، لا ثقافة منقذة). كل شيء هجين، مؤجل، ومبني على غياب.
القوة الحقيقية للنص ليست في وفائه، بل في صدقه غير المتعمد – يروي قصة جيل حلم بالتحرير عبر الكلمة، فوجد نفسه في السجن أو المنفى أو النسيان. التفكيك لا يقلل من قيمته العاطفية، بل يجعله أكثر صدقًا: نص يبكي على أطلال مشروع حضاري لم يتحقق.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى