ثقافة

كريستي في «الجزيرة» السورية

كريستي في «الجزيرة» السورية

صبحي حديدي

مرّت قبل أيام قليلة الذكرى الخمسون لرحيل أغاثا كريستي (1890 – 1976)، الروائية البريطانية الأشهر أغلب الظنّ، وحاملة لقب «السيدة الأولى للجريمة»، بين ألقاب أخرى عديدة تصف علوّ كعبها في الرواية البوليسية؛ والتي لا ينافسها في المبيعات سوى الكتاب المقدس ومسرحيات وليام شكسبير، عدا عن اقتباس أعمالها في مسلسلات الإذاعة والتلفزة والسينما.
وربّ صدفة تتلاقي مع ميعاد، هذه الأيام تحديداً، حين تتصدر العناوينَ أخبارُ مدن وبلدات وقرى في الشمال الشرقي من سوريا، أو «الجزيرة» حسب تسمية شائعة لدى أهالي تلك المنطقة، وصائبة جغرافياً لأنها أصقاع تفصل بين نهرين كبيرين، الفرات ودجلة، ولأنها أيضاً تصحح تسمية «شرق الفرات» التي شاعت خلال السنوات الأخيرة وتنطوي على مقادير غير قليلة من الخطل والتعسف والعشوائية. الصدفة هي التوتر الذي يسود المنطقة راهناً بين الجيش الحكومي و»قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد»، في بطاح «الجزيرة». والميعاد هو ذكرى كريستي، ولكن من خلال كتابها «تعال حدّثني كيف تعيش»، 1946، غير القصصي وغير البوليسي لأنه يسرد رحلاتها في العراق وسوريا خلال الفترة بين 1934 و1939، صحبة زوجها عالِم الآثار ماكس مالوان.
الكتاب يقع في 12 فصلاً، وإلى جانب سمة أدب الرحلة التي تطبع مناخاته وتعرّف قارئ كريستي على نثر أقلّ صرامة وتقشفاً، وبالتالي أكثر سلاسة وثراء مما هو شائع وقياسي في رواياتها البوليسية، فإنّ الكتاب يشفّ عن انحياز إنساني لافت في استعراض، أي امتداح، السمات الإنسانية والحضارية والعمرانية للشخصية السورية عموماً، ثمّ خصوصاً بالطبع، كما تتبدّى عند المدينيّ والريفي والبدوي في تلك الأصقاع، مدن القامشلي والحسكة ودير الزور والرقّة، وقبلها حمص وحلب، وفي بلدات عامودا ورأس العين (سري كانيه، كما يسميها أخوتنا الكرد) وعين عروس وشاغر بازار، وعلى سفوح تلال أثرية مثل تل حلف وتل طويل وتل عجاجة وتل رمّان وتلّ براك…
ولعلّ من المفيد استعادة مراجعة للكتاب نُشرت في أسبوعية «تايم» الأمريكية، بتاريخ 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1946، جاء فيها: «المعرفة المحلية للشرق الأدنى في العديد من أعمال أغاثا كريستي البوليسية (‘جريمة في بلاد الرافدين’، ‘جريمة على النيل’) جرى تحصيلها ميدانياً، كما يبرهن الآن كتاب الرحلات الأول لها. إنه حكاية ناعمة غير شريرة عن شتاءين قضتهما في سوريا قبل الحرب صحبة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان. وفي مركبة محلية الصنع، تنقل الزوجان وارتادا تلالاً كلدانية تعود إلى 600 سنة ق. م.، قرب نهرَي الخابور وجغجغ (…) وفي عرض مغامراتها، تسرد الكاتبة كريستي قسطاً جيداً عن سوريا، عن علم الآثار، وعن نفسها. وجمهور كريستي سوف يجد بعض المفاتيح إلى أصل مواضيع متنوعة في قصصها الغامضة عن تلك الفترة. هنالك، مثلاً، عبادة اليزيديين اللطيفة، ممّن استُخدموا كحفّارين؛ وعبادة الشيطان الذي يعتقدون أنّ الله أوكله بمسؤولية الكون. وما من قارئ مسيحي سوف يعجز عن التعرّف على نموذج السيد شيطان، الشخصية الشريرة العجيبة في رواية كريستي ‘أوراق على الطاولة’».
وقد يُلاحظ أنّ نبرة الفقرات أعلاه، في المراجعة، تخلو بدرجة لافتة من التنميطات الاستشراقية المسبقة التي كانت سائدة آنذاك، سواء في الخطاب الأوروبي إجمالاً أو ذاك الأمريكي على نحو خاصّ؛ ولعلّ بعض السبب يعود إلى روحية التعاطف التي اتسمت بها نظرة كريستي إلى تلك الأمكنة السورية، وإلى أهلها وثقافتهم وإيقاعات حياتهم وأفراحهم وأتراحهم. بل ثمة في الكتاب مناسبات متفرقة تكشف عن نزوع لدى كريستي للسخرية من معارف الأوروبيين عن البلد، سوريا، أوّلاً، ثمّ عن منطقة أوسع رسخت في أذهانهم كمهد للكتاب المقدس؛ كما في هذه الفقرة: «أذكر أنّ العديد من أصدقائنا في بريطانيا كانوا يسألونني: ‹أين تنقبون؟› فأجيب: ‹في سوريا›. وكنت أشعر بتلذذ خاصّ حين يرتبك السامع وهو يهمهم: ‹سوريا… سوريا… أليست فلسطين؟›. ‹كلا يا صديقي، وشطارتك في حفظ الإشارات التوراتية من صلاة الأحد لن تنفع هنا!›. ويلجأ السائل إلى الهجوم: ‹ولكن، ألستم قريبين من مدينة ما؟›. وأجيب: ‹بالطبع، حلب على مبعدة مئتَيْ ميل›. ويتنهد السائل، ثم يستسلم نهائياً».
تبقى إشارة أولى إلى أنّ الكتاب تُرجم إلى العربية مرّتين، في حدود ما تعلم هذه السطور: الأولى أنجزها ابن المنطقة توفيق الحسيني، وشاء تعديل العنوان إلى «هكذا عشتُ في سوريا: في شاغر بازار وتل براك وتل أبيض: مذكرات»، دار الزمان، 2007؛ والثانية من أكرم الحمصي، بعنوان «تعال قلْ لي كيف تعيش»، دار المدى، 2016. وإشارة ثانية ختامية تخصّ خاتمة الكتاب، الطافحة بالحنين: «مبهج أن أتذكّر أنّ هضبة أزهار القطيفة التي زرعتها قرب بيتنا في شاغر بازار، تزهر في هذه اللحظة بالذات (…) إنني أعشق ذلك البلد الخصب المعطاء، وأعشق أهله الطيبين الذين يعرفون كيف يضحكون وكيف يستمتعون بالحياة، والذين يعيشون في غبطة، ويمتلكون الكثير من الكرامة والاعتزاز والعادات الراقية، مثلما يمتلكون الحسّ الاستثنائي بالنكتة والمرح، ولا ترهبهم فكرة الموت. وإن شاء الله سأذهب إلى هناك من جديد، راجية ألا تكون الأشياء التي أحببتها قد اندثرت على تلك الأرض.

 

 

 

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى