مقالات

مصر والسعودية واليمن.. شراكة استراتيجية لإحياء الدفاع العربي المشترك

مصر والسعودية واليمن.. شراكة استراتيجية لإحياء الدفاع العربي المشترك
” ” ” ” ” ” ”
بقلم..
العميد د. منصور القاضي المحلل العسكري والسياسي وباحث استراتيجي في الشؤون اليمنية والدولية.
إن أمن مصر والمملكة العربية السعودية واليمن ليس ملفات منفصلة، بل هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي. فمصر تمثل ركيزة أساسية في معادلة الأمن العربي، والمملكة العربية السعودية تمثل ثقلًا استراتيجيًا محوريًا في المنطقة، فيما يحتل اليمن موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية عند ملتقى البحر الأحمر وباب المندب وخطوط الملاحة الدولية.

إن المرحلة الراهنة تفرض على الدول العربية إعادة قراءة التحديات المحيطة بها، والانتقال من التضامن في التصريحات إلى الشراكة الاستراتيجية القائمة على التنسيق السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي، مع احترام سيادة الدول وقراراتها الوطنية.

أولًا: أمن اليمن جزء من الأمن القومي العربي

إن ما شهده اليمن منذ انقلاب جماعة الحوثي المسلحة على مؤسسات الدولة في عام 2014 لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل امتدت تداعياته إلى الأمن الإقليمي والملاحة الدولية والاستقرار في المنطقة. فقد أسهمت الحرب في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ونزوح وتهجير ملايين اليمنيين، وتدمير مؤسسات الدولة والبنية التحتية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، فضلًا عن تقويض الأمن والسلم المجتمعي وإضعاف مؤسسات الدولة.

كما شكلت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة العربية السعودية تهديدًا لأمن المدنيين والمنشآت الحيوية. وشملت الوقائع المعلنة هجمات باتجاه منطقة مكة المكرمة؛ وهي حوادث تستوجب تناولها بمسؤولية، والتمييز بين استهداف المنطقة المقدسة واستهداف مدينة مكة نفسها.

إن استمرار تهديد أمن المملكة، واستهداف الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، لا يهددان اليمن وحده، بل ينعكسان على الأمن الاقتصادي العربي والتجارة العالمية وإيرادات قناة السويس المصرية. ومن هنا، فإن استقرار اليمن واستعادة مؤسسات دولته يمثلان مصلحة استراتيجية مشتركة للدول العربية.

ثانيًا: خطر الجماعات المسلحة على الدولة والاستقرار

إن التجربة اليمنية تقدم درسًا بالغ الأهمية بشأن خطورة انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتحويل الصراعات السياسية إلى حروب مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها. وقد أدت الحرب إلى خسائر بشرية هائلة، وأزمات معيشية ونزوح واسع، فضلًا عن تجنيد الأطفال والانتهاكات التي وثقتها جهات دولية وحقوقية خلال سنوات الصراع.

كما أن الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد السفن التجارية والملاحة الدولية، تثير مخاوف أمنية تتجاوز حدود اليمن. ولذلك فإن معالجة هذه التحديات تتطلب موقفًا عربيًا مسؤولًا يقوم على دعم مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، ومكافحة الإرهاب، ومنع استخدام الأراضي والسواحل اليمنية لتهديد دول الجوار والممرات البحرية الدولية.

ويجب أن تستند أي مساءلة عن الجرائم والانتهاكات إلى الأدلة والتحقيقات المستقلة والقانون الدولي، بعيدًا عن التعميم أو الاتهامات التي لا تستند إلى توثيق موثوق.

ثالثًا: مصر والسعودية واليمن.. شراكة تتطلب رؤية استراتيجية

إن العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية واليمن تستند إلى مصالح جغرافية وأمنية واقتصادية مترابطة. فالبحر الأحمر وباب المندب يمثلان شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة، وأي اضطراب فيهما ينعكس على أمن المنطقة واقتصاداتها، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري المرتبط بحركة الملاحة في قناة السويس.

ومن هذا المنطلق، فإن التنسيق بين القاهرة والرياض والقوى اليمنية ومؤسسات الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا، إلى جانب التشاور مع بقية الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، يمكن أن يسهم في بناء منظومة أكثر فاعلية لحماية الملاحة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ولا يعني ذلك استدعاء تجارب الماضي أو الدخول في حروب جديدة، وإنما الاستفادة من دروس التاريخ لبناء تعاون حديث، واضح الأهداف، ومحدد المسؤوليات، وقائم على المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي.

رابعًا: إحياء مبدأ الدفاع العربي المشترك

إن الحاجة أصبحت ملحّة لإعادة تفعيل مبدأ الدفاع العربي المشترك، الذي ينبغي أن يتحول من نصوص واتفاقيات إلى آليات عملية للتعاون والتنسيق بين الدول العربية، في إطار ميثاق جامعة الدول العربية والقانون الدولي.

ويمكن أن تبدأ هذه الجهود بتنسيق استراتيجي بين مصر والمملكة العربية السعودية واليمن، وبمشاركة الدول العربية المعنية، من خلال:

– تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق الأمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
– حماية الملاحة التجارية وتأمين الممرات البحرية الحيوية وفق القانون الدولي.
– تطوير التعاون في مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والتجنيد غير القانوني.
– دعم قدرات مؤسسات الدولة اليمنية، وتدريب الكوادر، وتعزيز حماية المنشآت المدنية.
– وضع آليات للتشاور والاستجابة للأزمات، مع احترام سيادة كل دولة وقرارها الوطني.
– دعم الحلول السياسية التي تضمن استعادة مؤسسات الدولة وحماية المدنيين، دون منح الجماعات المسلحة حق فرض الأمر الواقع بالقوة.

إن الدفاع العربي المشترك لا يعني بالضرورة الحرب أو التدخل العسكري، بل يشمل الوقاية من النزاعات، والتنسيق الدبلوماسي والأمني، وحماية المصالح الحيوية، وتعزيز قدرة الدول العربية على مواجهة الأخطار بصورة جماعية ومنظمة.

خامسًا: البعد الاقتصادي وإعادة بناء اليمن

لا يمكن تحقيق الأمن المستدام دون تنمية اقتصادية حقيقية. فاليمن بحاجة إلى إعادة بناء مؤسساته وبنيته التحتية، وإحياء اقتصاده، وتوفير فرص العمل للشباب، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة والصحة والتعليم.

ويمكن لمصر والسعودية، بالتعاون مع الدول العربية والمؤسسات التنموية، أن تسهم في برامج إعادة الإعمار والتدريب والاستثمار وتطوير الموانئ والطرق والخدمات، بما يعزز الاستقرار ويحد من الظروف التي تستغلها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها.

إن بناء يمن مستقر وقادر على إدارة أراضيه وموانئه ومؤسساته يمثل مصلحة لليمنيين أولًا، وللمملكة ومصر وسائر الدول العربية ثانيًا، وللاقتصاد العالمي الذي يعتمد على انسياب التجارة عبر البحر الأحمر.

سادسًا: احترام سيادة مصر وقراراتها الوطنية

إن مصر دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها الدستورية وحساباتها الاستراتيجية، وهي الأقدر على تحديد ما يخدم مصالحها الوطنية ومصالح شعبها. وأي نقاش بشأن دورها الإقليمي ينبغي أن يقوم على الاحترام المتبادل، والتقدير لمكانتها، وفهم طبيعة التحديات التي تواجهها.

إن الدعوة إلى التعاون المصري السعودي اليمني ليست دعوة إلى الزج بمصر في حرب جديدة، وإنما دعوة إلى حوار استراتيجي عربي يحدد المصالح المشتركة، ويطور آليات التنسيق، ويعزز حماية الأمن القومي العربي، مع تجنب التصعيد غير المحسوب واحترام القانون الدولي.

الخلاصة:

إن أمن مصر والسعودية واليمن مترابط، وإن حماية البحر الأحمر وباب المندب واستعادة الدولة اليمنية ومواجهة التهديدات المسلحة مسؤوليات تتطلب رؤية عربية مشتركة وإرادة سياسية وتعاونًا مؤسسيًا مستدامًا.

لقد آن الأوان لأن تنتقل الدول العربية من ردود الفعل المتفرقة إلى العمل المشترك المنظم، وأن تجعل من الدفاع العربي المشترك مشروعًا واقعيًا لحماية الدول والشعوب، وصون الملاحة الدولية، ودعم الاستقرار والتنمية، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات.

تحيا مصر، وتحيا المملكة العربية السعودية، ويحفظ الله اليمن وشعبه، وتبقى وحدة الصف العربي أساسًا للأمن والاستقرار والسلام.

اظهر المزيد

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى