6 أكتوبر 1973 ؛ ليست مجرد ذكرى حرب …
الدكتور م. وائل الشهاوي – يكتب لـ [ آيسك نيوز AISC]
بمناسبة احتفالاتنا بذكرى نصر أكتوبر، أعتقد أن هناك جانبًا من هذا النصر يستحق أن نتوقف أمامه كثيرًا، لأنه لا يتحدث فقط عن عبور قناة السويس أو تحطيم خط بارليف، وإنما عن معركة أخرى جرت قبل أن تبدأ الحرب نفسها، معركة العقول والاستخبارات والخداع الاستراتيجي.
فمن يشاهد ما تكشفه “إسرائيل” نفسها اليوم من وثائق وشهادات حول حرب أكتوبر، يدرك أن عظمة ما حدث في السادس من أكتوبر 1973 لم تكن في قوة السلاح وحدها، وإنما في قدرة مصر على أن تجعل أجهزة الاستخبارات الأكثر تطورًا في العالم ترى الحقيقة أمام عينيها، ثم تفسرها بالطريقة الخطأ.
الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الأخير، الذي تناول كيف نجح السادات في خداع العالم يفتح جانبًا شديد الأهمية من تلك القصة.
فالولايات المتحدة نفسها كانت تتابع التحركات المصرية بأقمارها الصناعية، وكانت التقارير الاستخباراتية الأمريكية تصل إلى استنتاج أن ما يحدث على الأرض لا يمثل استعدادًا حقيقيًا لحرب وشيكة.
وقد أقرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاحقًا بأن مجتمع الاستخبارات الأمريكي أخفق في توقع الحرب، وأن تحليلاته تأثرت بالتصورات المسبقة والتفكير الجماعي والاعتقاد بأن التفوق العسكري الإسرائيلي سيجعل العرب يحجمون عن الحرب.
وهنا تظهر عبقرية الخداع المصري.
لم يكن الأمر مجرد إخفاء للقوات، وإنما كان بناء صورة كاملة ومقنعة لما تريد مصر أن يراه العدو.
تعبئة متكررة ثم تسريح، تدريبات عسكرية متتابعة، تحركات للقوات يمكن تفسيرها باعتبارها جزءًا من التدريب أو الصيانة، ورسائل سياسية وإعلامية توحي بأن الحرب ليست وشيكة. وتؤكد دراسات عسكرية أن خطة الخداع المصرية استهدفت في الوقت نفسه القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، كما عملت على ترسيخ الاعتقاد بأن الجيش المصري غير مستعد لخوض حرب حقيقية.
بل إن المصريين نجحوا في التعامل مع واحدة من أخطر أدوات المراقبة التي كانت تمتلكها “إسرائيل” والولايات المتحدة في ذلك الوقت، وهي الاستطلاع الجوي والأقمار الصناعية.
كانت وحدات الصواريخ والدفاع الجوي تتحرك بطريقة أربكت عملية الرصد، بحيث لا يستطيع الطرف الآخر تكوين صورة ثابتة ومتكاملة عن شبكة الدفاع المصرية. والوثائق الأمريكية المفرج عنها بالفعل تظهر حجم اهتمام أجهزة الاستخبارات بتحديد مواقع وانتشار الصواريخ المصرية قبل الحرب.
الأكثر إثارة أن المصريين لم يكتفوا بإخفاء ما يفعلونه، وإنما جعلوا الإسرائيليين يعتادون رؤية الاستعدادات العسكرية دون أن يشعروا بالخطر.
كانت مصر قد أعلنت التعبئة مرات عديدة خلال الفترة السابقة للحرب، ثم ينصرف الجنود، فأصبح المشهد بالنسبة للاستخبارات الإسرائيلية شيئًا متكررًا فقد قدرته على إثارة القلق.
وكانت الدبابات تتحرك باتجاه الجبهة في إطار أعمال الصيانة والاستعداد، فأصبح تقدمها في نظر الإسرائيليين علامة مألوفة لا تستحق القلق.
وهكذا عندما جاءت التحركات الحقيقية، كانت العيون نفسها تراها، لكنها لم تعد تفهم معناها.
وهذه هي أخطر نقطة في أي معركة استخباراتية: ليس أن تمنع خصمك من الحصول على المعلومات، وإنما أن تجعله يحصل عليها ثم يستخلص منها النتيجة الخاطئة.
والأكثر إثارة للجدل في هذه القصة هو أشرف مروان، الذي ظل لعقود واحدة من أعقد القضايا في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية. فـ “إسرائيل” اعتبرته طويلًا أحد أهم مصادرها داخل مصر، بينما ظهرت لاحقًا روايات ودراسات إسرائيلية تؤكد أنه كان جزءًا من خطة الخداع المصرية، وأن المعلومات التي نقلها ساعدت في تكوين ما عُرف إسرائيليًا بـ”المفهوم” الذي افترض أن مصر لن تبدأ حربًا محدودة لاستعادة جزء من سيناء قبل أن تمتلك قدرات جوية تسمح لها بتدمير سلاح الطيران الإسرائيلي.
والأهم أن المشكلة لم تكن في مروان وحده، وإنما في اعتماد الإسرائيليين على الصورة الذهنية التي صنعوها لأنفسهم. فقد كانت أمامهم إشارات حقيقية ومتعددة، لكنهم كانوا يعيدون تفسيرها بما يتوافق مع قناعتهم السابقة.
وهنا تتضح قيمة ما فعله السادات.
فالسادات لم يدخل حرب أكتوبر باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها عملية استراتيجية متكاملة، تبدأ بالخداع وتنتهي بالعبور.
كان يعرف أن مصر لا تستطيع أن تنتصر إذا سمحت لـ “إسرائيل” بأن تستعد للحرب في الوقت المناسب، وأن عنصر المفاجأة ليس رفاهية، وإنما ضرورة عسكرية.
لذلك كان لابد أولًا من إسقاط أهم سلاح امتلكته “إسرائيل” منذ 1967: ثقتها المطلقة في قدرتها على معرفة ما يجري في مصر.
وعندما جاء السادس من أكتوبر، لم تكن “إسرائيل” تواجه جيشًا مصريًا فقط، وإنما كانت تواجه نتيجة سنوات من التضليل والتضليل المضاد.
لقد عبر الجيش المصري قناة السويس، وسقطت أجزاء خط بارليف، وتقدمت القوات تحت مظلة الدفاع الجوي التي كانت مصر قد بنتها بعناية لتجاوز التفوق الجوي الإسرائيلي.
وقد أكدت الدراسات العسكرية أن إنشاء هذه المظلة كان عنصرًا أساسيًا في تمكين القوات المصرية من تنفيذ عبورها وحرمان “إسرائيل” من حرية العمل الجوي التي كانت تتمتع بها قبل الحرب.
ولذلك فإن أعظم ما في نصر أكتوبر، في رأيي، أن مصر لم تنتصر في معركة السلاح فقط، وإنما انتصرت أولًا في معركة العقل.
لقد جعلت خصمها يرى الاستعدادات الحقيقية ولا يصدقها، ويرى التحركات العسكرية ولا يفهم هدفها، ويحصل على المعلومات ولا يستطيع تركيبها في الصورة الصحيحة. وهذا هو جوهر الخداع الاستراتيجي الذي جعل حرب أكتوبر واحدة من أهم دروس التاريخ العسكري في القرن العشرين.
وفي ذكرى نصر أكتوبر، لا يجب أن نتذكر فقط لحظة عبور القناة ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية، وإنما علينا أن نتذكر أيضًا العقول المصرية التي خططت، والجنود الذين نفذوا، وأجهزة الدولة التي عملت في صمت، والرئيس أنور السادات الذي أدرك أن استعادة الأرض تبدأ أولًا باستعادة القدرة على المبادأة.
ولهذا، عندما يسألني أحد: لماذا مصر دولة عظيمة؟
أقول له: انظر إلى أكتوبر.
انظر إلى دولة خرجت من هزيمة 1967، وأمامها عدو متفوق في السلاح والتكنولوجيا والاستخبارات، ثم نجحت في أن تخفي عنه موعد الحرب وخطتها، وأن تجعله يرى الحقيقة ولا يصدقها، ثم تعبر القناة في وضح النهار.
تلك ليست مجرد ذكرى حرب.
تلك واحدة من المرات التي أثبتت فيها مصر أن التفوق لا يكون دائمًا لمن يملك التكنولوجيا الأكثر، وإنما لمن يملك العقل الأقدر على استخدامها وإدارتها، ولمن يستطيع أن يجعل خصمه يخوض المعركة وفق الصورة التي رسمها له.
رحم الله شهداء أكتوبر، وتحيا مصر دائمًا.




