ثقافةمقالات

مصر بين عصرين : من الأصولية الإرهابية المتطرفة إلي الأصولية العلمانية المتطرفة …

.. " أهم ملامح الأصولية العلمانية المتطرفة: معاداة الدين، لا تقف عند حياد الدولة بل تتبنى موقفاً عدائياً يهدف لإقصاء الدين تماماً. "

الدكتور عادل عامر

بقلم – الدكتور / عادل عامر

الأصولية العلمانية المتطرفة هي تحويل العلمانية من مبدأ لفصل الدين عن الدولة إلى أيديولوجيا دوغمائية معادية للأديان، تسعى لاستئصال المظاهر الدينية من الحياة العامة والخاصة. تتسم برؤية أحادية إقصائية، تتعامل مع التنوير كعقيدة مقدسة، وتماثل الأصولية الدينية في تعصبها وتطرفها.

 

أهم ملامح الأصولية العلمانية المتطرفة:

 

معاداة الدين: لا تقف عند حياد الدولة (العلمانية الإيجابية)، بل تتبنى موقفاً عدائياً يهدف لإقصاء الدين تماماً.

 

أدلجة العلمانية: تحويلها إلى تيار فئوي، قومي، أو يساري شمولي يفرض قوالب أحادية على المجتمع.

 

استئصال الهوية: تتجاهل الروابط التاريخية والثقافية للمجتمعات، وتسعى لفرض رؤية دنيوية جافة.

 

التعصب الشخصي: قد تنتهك الحرية الشخصية للأفراد في ممارسة معتقداتهم، كما تفعل الأصوليات الدينية.

 

يُشار إلى أن هذا التطرف يختلف عن العلمانية كمنهج لإدارة التنوع، حيث تتحول فيه العلمانية إلى “أصولية” تعبر عن ضيق بالآخر وتطالب بتبني رؤية إلحادية أو لا أدرية، مما يخلق صداماً حضارياً. قد تكون الأصولية العلمانية هي اعتداء على الحرية الشخصية التي تعتبر أهم ركائز الفكر العلماني، فالأصولي العلماني صاحب رؤية أحادية نسبية، يريد لها أن تنطبق على الجميع،

 

حتى ولو كان العالم متعدد الأقطاب والمشارب وليس أحادي اللون، ورغم أن الأصولية العلمانية لا علاقة لها بالنصوص المقدسة ولا تقرأها بعين التشدد والتعصب كالأصولية الدينية، فإنها تقع في الفخ نفسه، عندما تتعاطى مع تراث التنوير الإنساني على أنه قوالب مقدسة وما عداها لا يعتد به.

 

غير أن الحدود الفاصلة بين خطاب الكراهية من جهة، والحق في حرية التعبير من جهة أخرى، تبدو مسألة مثيرة وحساسة، وتكاد تذهب بسلام العالم، لاسيما حين تتقاطع مع المقدسات.

 

 والشاهد أنه يمكن الافتراق وتعدد المشارب حول القضايا الإيديولوجية، أو المنطلقات السياسية، غير أن الأديان والمقدسات، هي مُطلق، لا يقبل القسمة ولا المعادلات الصفرية، كما أن إخضاعه أيضاً لحرية الرأي من غير ضابط أو رابط، أمر كفيل بأن يبدل سلام العالم إلى خصام، ويغير من الوفاق إلى افتراق، ومن هنا قد ينشأ خطاب الكراهية، وما يستدعيه من دماء، عطفاً على إثارة النعرات المذهبية والطائفية، والتي خُيل للعالم أنه قد خلّفها وراءه منذ مئات من السنين.

 

عمى الأنوار

 

تبدو فرنسا اليوم مثالاً لحالة التضاد بين علمانية جافة، أو أنوار تعمي، بحسب وصف الفيلسوف الفرنسي اليساري الشهير «ريجيس دوبريه»، وبين أصولية إسلاموية، وليست إسلامية بحسب البروفيسور الراحل محمد أركون، حرّفت صحيح الدين، وذهبت في طريق قطع الرؤوس باعتباره الرد الأكثر عنفاً وتطرفاً على شطحات الأنوار التي تعمي!

 

وهكذا، تكاد أوروبا، اليوم، تمضي في طريق مثير للقلق والمخاوف العميقة، طريق أتباع فولتير المتطرفين في إعمال العقل، من منطلق أنه الوكيل الوحيد والمصدر المتفرد في قيادة الجنس البشري.

 

والثابت أيضاً أن فولتير لم يكن وحده وراء مسيرة التنوير الجاف، فقد دعمه الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» بدوره، ولاسيما حين أشار إلى أن: «عصرنا هو عصر النقد الذاتي الذي ينبغي أن يخضع له كل شيء، بما فيه بعض العقائد الدينية ذاتها»! وفات كانط التساؤل: هل العقل البشري مطلق أم نسبي، محدود أم سابح في اللانهائيات؟

 

روح التـنوير

 

حين يتوقف البعض في فرنسا عند قراءة واحدة للتنوير، قراءة جافة، لا تأخذ في عين الاعتبار مشاعر مليار ونصف المليار من المسلمين حول العالم، بذريعة إرث التنوير، فإن في الأمر انحرافاً محتملاً عن روح التنوير عينه، الأمر الذي يجعله أجوف من أي غرض إنساني، وبالتالي يكون مصيره اللحاق بالإيديولوجيات الطوباوية السابقة، من ماركسية وشيوعية ورأسمالية متوحشة!

 

القبول بالتعددية

 

هل يعني ذلك أننا ضد التنوير والأنوار؟ بالقطع لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، وإنما نرى أن على بعض الفرنسيين إعادة قراءة الهدف الرئيس من عصر الأنوار والنهضة، ولاسيما في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد كان التوجه الرئيس هو كرامة الإنسان، وحقه في التحرر من أي وثوقية، بمعنى القبول بالتعددية، والعيش في أطر من تلاقي الأضداد، ومن غير أن يصبح التنوير أداة لإشعال الكراهية أو إطلاق حزازات الصدور.

 

الأصوليات الإرهابية

 

وعلى الجانب الآخر من المشهد الفرنسي، تجابهنا استحقاقات الأصوليات الإرهابية، تلك التي تمثلت في قاطع رؤوس المصلين في نيس، ذلك المشهد الذي ينبغي أمامه إطلاق مسارات المصارحة ومساقات المكاشفة، والبحث في كل الأحوال عن سبل مواجهته، وبخاصة لكونه آلية لانفجار خطاب الكراهية بأسوأ صوره، ومدعاة لاستيلاد حركات فاشية ونازية، عرفتها أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، ودفعت أكلافها عالياً وغالياً إلى أبعد حد.

 

وليست العلمانية أيديولوجيا طارئة على المجتمع البشري لأنها أصلا ليست أيديولوجيا؛ وإنما هي طبيعة الحياة وطريقتها الفطرية وحسها السليم، فمن الطبيعي أن يتواصل أو يتنافر الإنسان مع الإنسان بمعزل عن الهويات الدينية والفوارق العقائدية. ويخطئ العلمانيون في حق العلمانية حين يؤدلجونها ويختزلونها في تيار سياسي فئوي لمناوئة الإسلاميين، بالضبط مثلما أخطأ الإسلاميون حين حولوا الإسلام إلى أيديولوجيا جماعاتية معادية للعلمانية.

 

وهناك اليوم حالة انتقال من أدلجة الإسلام التي حولته إلى إخواني وسلفي وجهادي، إلي أدلجة للعلمانية قومية ويسارية وعسكرية.

 

 لا نكافح الأدلجة بالأدلجة، وليس صحيحا مواجهة أدلجة الأديان التي تمارسها الأصوليات الدينية بأدلجة العلمانية وقولبتها في أطر أحادية وشمولية. لقد كانت التجربة التاريخية للحضارة الإسلامية علمانية لأن الإسلام “دين علماني”، ولا يوجد أي تناقض في هذا الوصف الذي يقرن الدين بالعلمانية. لأن التدين مسألة روحانية خاصة ترتبط بالعلاقة مع الذات والضمير، فيما العلمانية قضية سلوكية عامة تتصل بالعلاقة مع الآخر والمجتمع. فالدين ينتمي إلى مجال الغايات الغيبية والماورائية، والعلمانية تنتمي إلى مجال الأهداف والوسائل الحياتية المشهودة.

 

تتمحور اهتمامات العلمانية حول قضايا موضوعية وعقلانية، مثل الرخاء الاقتصادي وتكريس قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي، وفاعلية المؤسسات والكفاءة الأمنية والخدمية للدولة، واستقلالية القضاء والسيادة الوطنية. أما الإسلام السياسي، فهو نتاج اختلالات سياسية ومجتمعية واقتصادية وصراعات فئوية وطبقية وجهوية ولذلك يستمر في تأطير أزمته البنيوية بسجالات مفتعلة حول أزمات وهمية مثل الفصل بين الجنسين، ومحاكمة الضمائر والخصوصيات والتدخل في المعتقدات الشخصية، وملاحقة المتهمين بالكفر والهرطقة وقمع حرية التعبير، وأسلمة البنوك والإعلام، وإثارة الحساسيات بين الأديان، ونصرة فئة على فئة أو طائفة على أخرى وزج المجتمعات في صراعات الهوية سعيا لإخضاعها لتصور طوباوي عن “الدولة الفاضلة”، وفق مفهوم شمولي وقسري وبدائي للفضيلة، وهي دولة افتراضية تم تخليقها أيديولوجيا عبر استمزاج تأويلات إسلاموية حركية للنصوص الدينية مع روايات تراثية وقصص تاريخية لتلفيق سردية الدولة التي تتمثل وتطبق الشريعة الإسلامية.

 

ويعادي الوعي الأصولي الإسلامي العلمانية لأنه يرفض استحقاقاتها المتمثلة في الاندماج والقبول بالآخر، والشراكة والمساواة معه، ولذلك يقرر الهروب من الحاضر إلى يوتوبيا الدولة الدينية مدعيا وجودها في الماضي وداعيا إلى إيجادها في المستقبل، كما يهرب من الفضاء الوطني إلى الفضاء الحزبي الضيق أو إلى فضاء أممي إسلامي فضفاض. إن إصرار الإسلام السياسي على خلط الدين بالسياسة لا ينطلق من الحرص على الدين؛ لكنه يؤشر إلى اختلال فكري يعكس أزمة الهوية والاندماج التي أنتجت الأصولية الدينية، ولذلك يلجأ الوعي الأصولي إلى “سياسات الهوية” أي تصنيف الناس على أساس هوياتهم الدينية لأنه عاجز عن تقديم بدائل على صعيد “سياسات التنمية” تنقذ الناس من الفقر والجهل.

 

 

الدكتور عادل عامر

 

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

 

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

 

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى