◙ ” سلسلة خواطر “ بقلم : الدكتور / يحيى خيرالله
.
سمّاه أبوه يحيى ليحيا حاملاً اسمه، ليُخلّد ذكراه، تاركاً له غرفة مكتبه العتيقة لتكون مستودعاً لذكرياته وخزينة أسراره، يحتويها صندوقٌ أبيض. للغرفة ذاكرة لا تشيخ. جدرانها تحفظ أنفاس العابرين، وخشب مكتبها العتيق يختزن بصمات أصابع لم تعد هنا. كل رف فيها شاهد على زمنٍ مضى، وكل كتاب مائل يحكي حكاية لم تُكتب، ورواية فصولها لم تكتمل.
أما هو، فالصندوق الأبيض.
صامتٌ كقبر، باردٌ كوداعٍ لم يُقال. يقف في الزاوية كشاهد زور على كل ما حدث ولم يحدث. لا ضجيج فيه، ولا دفء. فقط بياض يبتلع الألوان، وصمت يبتلع الذكريات.
ذاكرة الغرفة تصرخ بالتفاصيل: دقة ساعة، صدى أغنية، حبر قلم نازف، نظارة أبوه…..
وصمت الصندوق الأبيض يرد: لا شيء هنا يستحق البقاء. بين ضجيج الذاكرة وخرس الصندوق، يقف هو… يحاول أن يتذكر لماذا جاء، ولماذا لا يستطيع المغادرة.
.
◙ قصة الأمس.. محاكمة الظلال …!
.
أسدل اللّيل سترَه على المدينة كلّها، أحكم سيطرته على كل شيء، خمدَ صوت الشارع، حتى همس الليل سكتَ، كأنّ العالم كله اتفق أن ما يحدث داخل غرفة مكتب أبيه أكبر من أن يسمعه أحد، والضوء الأصفر القادم من “الأباجورة” صار الشمس الوحيدة هنا أمّا باقي الغرفة غارق في ظل ساكن عند الحائط، ينتظر الكلمة التي تأخرت سنوات، صوت أم كلثوم يُشجي-أغنية قصة الأمس- ما تبقى من ليله، يملأ الزوايا بنحيب كأنه يعرف السرّ قبل أن يُقال.
يمسك بأوراق سفره، يتفحصها للمرة الأخيرة، تذكرة السفر، التاريخ، تقرير المستشفى في لندن…، كل شيء صحيح، إلا قلبه به عطب، الحقيبة على أهبة الاستعداد بجوار الباب، مفتوحة الفم كأنها تنتظر أن تبتلعه هو الآخر، التأخر قليلًا عن المغادرة للمطار لن يغير شيئًا، هكذا حدث نفسه.
أخذته خطاه رغمًا عنه نحو غرفة مكتب أبيه، دفع الباب برفق، فلم يصرخ هذه المرة، استقبلته كل مقتنيات الغرفة على غير عادتها بشجن، أخذ يتفحّص كل شيء لعلّه يكون الوداع الأخير، كل شيء يئنّ، إلا لوحة فتاة الكمان فقد كانت مكفهرة، الغبار على الإطار كان أثقل من أي شيء آخر، وكأنه غبار سنين من كلام لم يُقل، رفع يده، مسح الإطار بإصبعه، لاحظ أن الظل خلف اللوحة اهتز كأنه يتحرك لأول مرة.
على غير العادة، أصبح للصّمت رائحة وصوت، يخبره بما عجزت عنه الرسائل كلها خلال سنوات مضت، اللّوحة تعكس وجهه المشدود كوتر على وشك القطع، صوته خرج حادًّا، لا يشبه صوته المخملي حين كان يسجد متوسلًا بانكسار لربّه قبل قليل في غرفة نومه، كان يقظًا حادًا في المواجهة مع فتاة الكمان:
- من أنتِ؟… لماذا أفسدتِ حياة أبي؟.. لماذا تثيرين المشاكل دائمًا؟.. ما السرُّ الذي وراءَكِ؟ .. هل تعرفين كلَّ أسرارِنا؟.. هل أفشيتها للعامّة؟.
تقدّم خطوة، والظل خلفَه يتمدّد على الأرض كشبح يهدّده، لم يبال، مهددًا فتاة الكمان:
– أنا من الآن سأكون خصمكِ، وسأضعكِ في مخزن الأشياء المهملة، لتكوني وحيدة في الظلام عقابًا لكِ، وها أنا أعلن التحدّي.
تجمّد الهواء في المكانِ وصار ثقيلًا، لم تتراجع فتاة الكمان، رفعت رأسها ببطء، تقارب حاجباها كأمواج متلاطمة في ليلة عاصفة، قالت بصوت لا يرتجف ساخرة:
- تضعُني في المخزنِ؟ حسنًا، دعني أخبرك… أنّك هناك ستجد أباك يجلس في الزاوية، وأنتَ ستجلس أمامه، وحينَها… ستعلم من سيكون الخصم الحقيقي لك، لقد قبلت التحدي.
ظلت تضحك ساخرة، وفجأة، اهتزت اللوحة قليلا، وكأنّها تنتظر جوابه، عيناها لا تهتزّان، تمسك في يدها بقنينة فارغة من العطر النسائي الفاخرة، تلمع كأنها دليل جريمته.
نظر إلى قنينة العطر نظرة ثاقبة، وبفطنة فهم المغزى، وقال بصوت منخفض محاولا إخفاء رجفة اصابته:
- ما الذي تريدينه الآن مني؟ ألم يكفيكِ ما فعلته مع أبي، أنتِ خائنة، نعم لقد خنتي أبي، أنسيتي الرجل إياه، لقد تركتي أبي من أجله، والآن، لابد أن اتخلص منك إلى الأبد قبل سفري، لتموت معكِ كل الأسرار؟.
تقدّمت خطوة نحوه في تحد صارخ، رفعت قنينة العطر حتى كادت تلمس أنفه، همست له، وصوتُها حاد:
- أتذكر لمن أهديت هذه القنينة ؟
ارتبكَ، جنَّ جنونه، تأكد أنَّها كانت تتلصص على كل أسراره.
انقضَّ عليها، فاهتزَّت اللوحة على الحائط ومالَت كأنها توشك على السقوط، اختل توازنه، فامسك بالكمان الذي بيدها، ضرب به الأرض بعنف، فانكسر صوته قبل خشبِه، ومدَّ يده فاختطف قنينة العطرِ من يدها عنوة، قذفها بكل ما فيه من غضب في المرآة، تهشّم الزجاج بصوت حادّ مزّق سكون اللّيل، وتناثرت الشظايا على الأرض كألف عين مكسورة تحدّق فيه دفعة واحدة.
صورته في المرآة لم تَعُد واحدة… صارت أشلاء وجوه، كل شظية تحتفظ له بملامح من زمن مضى.
خرّ على الأرض يبحث عن نفسه بين تلك القطع، أين هو؟ أيّ وجه فيه هو الوجه الحقيقي؟، وجه الابنِ الذي سجد يدعو ربّه راجيا الشفاء؟ أم وجه الأب الذي هرب منه ومات؟.
رفعَ يده يتحسّس خدَّه… الوجه الذي أصابه الكبر قبل أوانه.
فجأة، شعر بلسعة حادة، نزفت يده دمًا، فسال الدم على الشظية ومحا ملامحه فيها، همس لنفسه وهو ينظر إلى الدم على راحته:
- حتى لو جمعت كل الشظايا لن تعود المرآة كما كانت… ما كسر لا يمكن إعادته لأصله، حتى لو تم إصلاحه… هكذا كان يقول أبي .
أسند ظهره إلى الحائط مستسلمًا، كأن الحائط نفسه هو الشيء الوحيد الذي لن يخونه، انطفأ الضوء في الغرفة إلا من ظلال تتحرك ببطء، والصمت صار كثيفاً لدرجة أن أنفاسه كانت تصطدم بصدره وتعود.
التفتت إليه فتاة الكمان، لكنها لم تعد صورة، عيناها انشقتا عن القماش وخرجتا منه كجرح قديم، مثقلتين بسنين لم تُحك، بنظرات لم تُرد، كانت تحدقان فيه لا كفتاة، بل كشاهدة أخفتها الجدران طويلاً:
- سرك وسر أبيك معي.
لم يكن صوتها، كان الصوت يخرج من كل شيء ليحاصره: من الجدران التي ظهرت له متشققة، من الكرسي الذي التصق بجلده، من المذياع الأخرس، من الكمان المكسور الذي بدا كأنه يضحك بصمت، الغرفة كلها أصبحت ضده.
تحولت فتاة الكمان إلى جلاد، جلدت الغرفة كلها بلا رحمة، كل مقتنياتها صارت هدفاً لغضبها، حتى الجدران اهتزت كأنها تذكرت ما أخفت، هو ظل جالساً مكانه، تملكه الخوف فلم يعد يقوى على النهوض، لكنه لم يستطع أن يغض بصره، ظل يتابع بشغف مرتعدًا ما ستفعله به فتاة الكمان بعد ذلك.
قررت فتاة الكمان محاكمة كل مقتنيات الغرفة، ارتدت معطف أبيه الأسود، فصارت أطول وأقسى، كأنها استعارت هيبته لتدينه بها، سحبت المقتنيات كلها خلف قضبان وهمية، ووقفت تنظر إليها نظرات حادة لا تترك شيئاً بلا اتهام، كل زاوية في الغرفة صارت قفص اتهام، وكل غرض فيها متهم صامت، جلست على المكتب وتهيأت لتبدأ المحاكمة.
شعر هو أن انشغالها بالمقتنيات يمنحه ثانية يتنفس فيها، فحاول أن يهرب من الغرفة خلسة، تحرك على أطراف أصابعه، يسرق الخطوة كمن يسرق عمره من الموت، لكنها كانت تعرف فيما يفكر.
التفتت فجأة، وأمسكت به من دبر قبل أن يبلغ الباب، جرّته إلى وسط الغرفة وأعلنت أمام الجميع بصوت لا يحتمل النقاش:
- سأحاكمك أنت اولًا أيها المغفل، لتكون عبرة لمن يعتبر.
تجمدت مقتنيات الغرفة كلها، كل شيء وقف شاخصاً نحوه، الكرسي، المذياع، الكمان المكسور، الجدران المتشققة… كلها تحدق فيه بنظرة واحدة، تنتظر كيف سيحاكم، كأنها تنتقم منه بصمتها.
توقفت فجأة، رفعت يدها إليه، وإصبعها صار حكماً معلقاً فوق رأسه:
- المتهم الماثل أمامكم.
قالت ذلك، وصوتها لم يعد صوتها، صار صوت القاعة كلها، صار صوت الجدران التي كانت تسمع لسنين ولا تتكلم.
- حاول أن يلصق بي تهمة الخيانة.
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة، كأنها سمعت نكتة ثقيلة دامت عمرًا كاملًا:
- أنا الآن سأقص عليكم الحقيقة، التي تؤكد لكم وله أنه كان أكبر مغفل… بل أكبر من أبيه تغفيلًا.
سقط الكلام عليه كضربة.
لم يجد ما يقوله، حتى الكذب خذله هذه المرة، الغرفة كلها مالت نحوه، المقتنيات، الظلال، الغبار العالق في الهواء، كلها تنتظر أن ترى وجهه حين يسقط القناع الأخير، وهو وقف هناك، بلا حجة، بلا هروب، بلا حتى حق في الإنكار.
وقفت أمامه، عيناها لا ترمشان، وصوتها يخرج من كل زاوية كحكم لا يُرد:
- اتهمتني بالخيانة، واليوم أُبرئ نفسي أمام الجميع، تلك التي تسمّيها حبيبتك خانتك وارتمت في حضن غيرك، في الوقت الذي كنتَ فيه تصارع الموت، كنت تجعل من اسمها كعبةً تطوف حوله وتمجده.
خطت خطوة، والغرفة ضاقت عليه أكثر، وهي كمن يقف على خشبة المسرح ليمثل دورا عبثيا، موجهة الكلام إليه وهي تتفحصه، اقتربت منه فتاة الكمان خطوة، وصوتها انخفض حتى صار أقرب للهمس الذي يقطع:
– أتذكر حين دخلت المستشفى لتوقع على إقرار الموافقة على العملية الجراحية في لندن؟ دون أدنى مسؤولية على الطبيب…؟.
توقفت ثانية وعيناها تلمعان:
- في ذلك الوقت، كانت من تدعي أنها حبيبتك توقع على عقد زواجها من رجل غيرك، وكانت الابتسامة تملأ وجهها، والمدعوون يهنئون ويباركون، ووجهك أنت كان كله خوف ورجاء… والغريب أنك كنت تحن إليها راجياً أن تكون بجانبك، وتردد اسمها كمن يتلو ذكرا، غريب أمرك.
صمتت، ثم أنهت الجملة كالصفع:
- إنها ليست لك أيها المغفل.
تجمد مكانه، الكلمات سقطت عليه أثقل من الكمان المكسور.
وفي الخلفية، كان الأب في البرواز الموجود على المكتب يحدّق فيه بصمت، كأنه ينتظر أن يفهم أخيرا.
اقتربت منه فتاة الكمان خطوة، وانحنت قليلاً وكأنها تهمس بسر لا يحتمل أن يسمعه أحد غيره.
خرجت منها ضحكة مكتومة، ليست سخرية… بل شيء أقسى:
- أتذكر حين أخذوك إلى غرفة العمليات وقدماك لا تحملانك؟
توقفت، وتركت الكلمات تسقط ثقيلة في الهواء:
- في نفس الوقت اصطحب حبيبتك المدعوون، وهي تمثل الخجل، يلتفون حولها، والأغاني من كل صوب وحدب… إنها ليلة العُرس…وما أدراك ما ليلة العُرس أيها المغفل.
انطفأ وجهه.
الكرسي خلفه خر صامتا، وصورة الأب في البرواز أغلقت عينيها للحظة، كمن ترفض أن ترى المشهد يتكرر.
اقتربت منه حتى صار ظله يلتصق بظلها، وخفضت صوتها كأنها تحفر الكلام في صدره:
- أتذكر حين وضعوا المعقم على وريدك في غرفة العمليات؟ في نفس الوقت كانت حبيبتك تتعطر بقنينة العطر التي أهديتها إياها…لرجل غيرك أيها المغفل.
صمتت لحظة، ثم قالتها ببطء كأنها تطعن كل حرف:
- اتذكر حين توقف قلبك فجأة اثناء الفحص، وبسرعة، أعطاك الطبيب قبلة الحياة؟ في تلك اللحظة كانت حبيبتك تمنح العريس المنتظر قبلة الحب.
أنت تستقبل الموت، وهي تستقبل النشوة.
يسيل من شفتيها شهد الرضاب، ويسيل منك الألم نزيفاً.
اعقل كلامي جيدًا أيها المغفل…
الآهات مختلفة في الحالتين، أظنك الآن تفهمني.
تراجعت نصف خطوة، وتركت الكلام يقع عليه كاملًا:
- أنتَ تشبه أباك، أمّا أنا فلا أشبهها.
سكتت الغرفة، حتى صوت أم كلثوم في اغنية قصة الأمس، بدا كأنه خفت خجلًا.
وقف مكانه، والجملة الأخيرة تلفّ حوله كحبل لا يعرف من أين يفكّه.
الغرفة سكتت، حتى المقتنيات التي كانت تصيح بالاتهام صمتت الآن، كأنها سمعت الحقيقة أخيرًا ولم تحتملها.
تحرك، ببطء، كأن ركبتيه نسيتا كيف تحملانه بعد سنوات عمر من الهرب، من داخل برواز فتاة الكمان خرج طيف الأب، وقف أمامه والمسافة بينهما لم تكن خطوتين…كانت عمرًا كاملًا من صمت.
فتاة الكمان تراجعت خطوة للوراء.
خلعت المعطف والبسته للأب، كمن تفسح الطريق لحديث لا يخصّها، الكمان المكسورة في يدها سكتت، لكن الأوتار ما زالت ترتجف كأنها لم تصدق أن الصوت توقف، نظر إليه.
لم يرَ رجلاً ميتاً، رأى الأب الذي كان يخبّئ له الحلوى في جيبه رغم الألم، يبتسم بفم متشقق.
سمع صوتاً مبحوحاً من جهة اللوحة:
-خذها قبل أمك… تعال مسرعاً.
اندفع نحوه ليحضنه، كأن كل السنين انهارت في خطوة واحدة، لكن الأب أشار له رافضاً، يده ترتجف بين الرفض والوداع، وعيناه لا تكفّان عن النظر إلى الأرض:
- أنا طلبت منك أن تكمل مسيرتي، لكن لم أطلب أن تحب بنفس طريقتي. لم أختر لك، تركتك تختار من تحب.
توقف، والكلمة خرجت أثقل من صوته:
- لم تكن حذراً، لقد شربت من نفس الكأس الذي شربت منه، الخيانة أعظم جرم في تاريخ البشرية.
تراجع الابن خطوة، والكلام وقع عليه أثقل من حضن لم يحدث
وفي الخلف، وقفت فتاة الكمان تنظر إليهما، كأنها تنتظر أيهما سينكسر أولاً.
الكلام وقع بينهما كجدار زجاجي.
وقفت فتاة الكمان لحظة، ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي لا يعرف إن كانت سخرية أم رحمة، وقالت بصوت امتدّ في الغرفة كلها:
- والآن سأستدعي من كانت تدعي أنها حبيبته لتقف هنا أمامكم لتعلن موقفها، وتدافع عن نفسها.
رفعت يدها، وتمتمت ببعض الكلمات كأنها تعويذة، سكتت الغرفة فجأة، واشرأبت أعناق كل شيء، حتى الأب في البرواز مال برأسه قليلاً، وعيناه معلقتان بالظل عند الباب، المقتنيات سكتت، والكرسي كفّ عن التأرجح، والفضول صار ثقيلاً في الهواء:
“من تكون؟ ما اسمها؟ ما شكلها؟.
ارتجت الغرفة، الهواء يكاد يهرب منها، والظل خلف اللوحة تمزّق كستار قديم، ومن وسط العتمة خرجت هي.
نفس الملامح التي حفرها في قلبه سنين، نفس الابتسامة التي كان يموت لأجلها، نفس العين اللتين غمض عنهما وهو يوقّع على إقرار الموت في لندن، إنها حبيبته، وقف هو متجمداً، الكلام علق في حلقه، الصمت صار أثقل من كل الاتهامات، وهكذا كان شعور الأب تماما، ظن انها حبيبته هو.
تقدّمت هي خطوة، لتقف بين الابن والأب، وكلامها موجه لهما، صوتها مرتبك لأول مرة:
- أنا….
ناظرة له منكسرة:
- من فضلك لا تؤذي نفسك هكذا، كنت أظن أنك ستفهم أن الحياة لا تنتظر أحداً، تزوجت لأن ذاك الرجل الغريب قال إنه سيحل كل مشاكلي، وأنت كنت على طاولة العمليات، بين الحياة والموت، أنا أكره الموت، وأعشق الحياة، ماذا كنت أفعل؟ أنتظر موتك وأموت معك؟.
الصمت أحكم قبضته على المكان، لا يعلو فوقه أحد.
لا دمعة، لا كلمة، لا حركة، سواء من الأب أو الأبن.
مال الابن على الأب، التحم الاثنان، جسدا واحدا، نفسا واحدة، روحا واحدة، فتاة الكمان لم تتحمل هذا الصمت، بل هذا الوجع، انقضّت خطوة، عيناها تشتعلان:
- تسمعين صمته؟ هذا هو الوجع، كان يرفعكِ في رأسه إلى السماء، وأنتِ نزلتِ بنفسكِ إلى سطر في عقدٍ لا يُقرأ مرتين، بل على عقد بيع على ورق رخيص.
تأهب أن يصرخ، فوضعت فتاة الكمان يدها على فمه، همست في أذنه:
- اصمت أيها المغفل، باعتك في سوق النخاسة بكلمة على ورقة.
تحركت الحبيبة وكلها غيظ نحو فتاة الكمان صارخة:
- وأنتِ من أنتِ؟ صورة! ظلّ! لماذا تتدخلين بيننا الآن بعد فوات الأوان؟.
ردت فتاة الكمان منفعلة، ورفعت الكمان المكسور كسيف:
- لأني أنا ما تبقّى من الحقيقة التي هربتما منها!، أنا الذاكرة التي لا تموت، أنا الصوت الذي لا يسكت!.
التحم الاثنتان.
لم يكن صراع أيدٍ، بل صراع صوتين..
واحدة تصرخ:
- أنا الحب الذي خسرته!.
والأخرى تصرخ:
- وأنا الحقيقة التي لا تخون ابدا!.
الغرفة اهتزت، المقتنيات سقطت، المرآة المكسورة أطلقت ألف شظية جديدة، وهو جالس في الوسط، يرى نفسه ممزقاً بين امرأتين: واحدة خانته بالحياة، وأخرى حبسته بالموت.
وفجأة، سكت كل شيء.
فتاة الكمان عادت إلى إطارها، ممسكة بكمانها السليم، صامتة، والحبيبة تلاشت كدخان، لم تبق إلا رائحة عطره الذي وضعه قبل صلاته، بقي هو وحده.
لم يعد في الغرفة إلا صوت أم كلثوم هزيلاً يلفظ أنفاسه، يصرعه صوت أذان الفجر.
استيقظ منتفضاً، يتصبّب عرقاً، يلهث كمن خرج لتوه من معركة مع نفسه، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، فتوضأ فغسل عن وجهه آخر ما علق به من تعب وليل.
خرج إلى المسجد ساجداً في خشوع، لم يدعُ على أحد، ولم يطلب رجوع أب، ولا تفسيراً من فتاة الكمان، ولا اعتذاراً من حبيبةٍ مضت.
كان يسجد فقط، كمن يسلم كل ما انكسر في صدره لله، ثم يرفع يديه بعد الصلاة يدعو لحبيبته.
ولما خرج يسبّح ربه، لاقته على الباب صورةٌ أخرى من الليل، سكارى يتمايلون سكراً قبالة المسجد، هو يتمايل عشقاً في ذكر الله والصلاة على حبيبه رسول الله، هم يذوبون سكراً في الرجس، وهو يريد أن يذكر حبيبته بخير، وهم يريدون أن ينسوا حبيباتهم.
عاد إلى غرفته الفارغة، إلا منه، ومن سؤالٍ لم يعد يحتاج إجابة:
“إذا كان كل شيء حلماً… فلماذا ما زال الألم حقيقة؟”




