مقالات

الخليج بين التهدئة وحق الدفاع الشرعي… معادلة الحكمة في زمن الاضطراب

الخليج بين التهدئة وحق الدفاع الشرعي… معادلة الحكمة في زمن الاضطراب

بقلم /د.هاني عبده إبراهيم

في إقليم تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه مسارات الأمن بالسياسة والاقتصاد، ترسّخ دول الخليج العربي نموذجاً متوازناً في إدارة المخاطر، يقوم على أولوية التهدئة والدبلوماسية، دون التفريط في الحق الأصيل في الدفاع الشرعي عند وقوع اعتداء مسلح.

هذه المعادلة ليست ازدواجية في الموقف، بل تعبير عن رؤية استراتيجية ترى أن السلام المستدام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الردع الرشيد لا ينفصل عن الحوار المسؤول.

أولاً: التهدئة كخيار استراتيجي

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت العواصم الخليجية إلى خفض التوترات الإقليمية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاستقرار شرط لازم للتنمية الاقتصادية، وأمن الطاقة، واستدامة سلاسل الإمداد.

وقد تجلّى هذا التوجه في استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران برعاية الصين في مارس 2023، وفق البيان الثلاثي الصادر في بكين. ” الثلاثي السعودي–الإيراني–الصيني (مارس 2023)”.

كما عززت دول مجلس التعاون مسارات الوساطة، ودعمت الحلول السياسية للنزاعات الإقليمية، وأكدت مراراً مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

هذا النهج يعكس انتقال الخليج من موقع “ساحة تأثير” إلى “فاعل دبلوماسي” يسعى إلى إعادة هندسة بيئته الأمنية عبر أدوات السياسة لا أدوات الصدام.

ورغم تغليب منطق التهدئة، فإن القانون الدولي يقر بحق الدول في حماية أمنها وسيادتها. فقد نص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، غير أنه استثنى حالة الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح، وذلك إلى حين تدخل مجلس الأمن.

ويخضع هذا الحق لقيود قانونية مستقرة، أبرزها: تحقق وقوع اعتداء مسلح فعلي، توافر شرط الضرورة، الالتزام بمبدأ التناسب.

وبالتالي، فإن الدفاع الشرعي ليس خياراً سياسياً مفتوحاً، بل إجراء قانوني منضبط بضوابط صارمة، هدفه رد العدوان لا توسيع نطاق النزاع.

ثالثاً: الردع المسؤول… حماية دون تصعيد

اعتمدت دول الخليج سياسة “الردع المسؤول”، فعملت على عدة أصعدة أولها تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، تعزيز التنسيق الأمني المشترك، توسيع الشراكات الدفاعية بما يحفظ التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

غير أن هذه الإجراءات لم تكن مقدمة لمغامرات عسكرية، بل رسالة واضحة بأن الأمن الخليجي خط أحمر، وأن التهدئة لا تعني هشاشة، كما أن الحوار لا يعني التخلي عن مقتضيات السيادة.

رابعاً: منع الانزلاق إلى صراع أوسع

التحدي الأكبر اليوم يتمثل في منع سوء التقدير العسكري أو السياسي الذي قد يحول أي حادث محدود إلى مواجهة شاملة. وهنا يتعاظم الدور الخليجي في احتواء الأزمات، وحماية الممرات البحرية، وصون أمن الطاقة العالمي، في ظل اعتماد الاقتصاد الدولي على استقرار هذه المنطقة الحيوية.

إن الخليج، بحكم موقعه وثقله الاقتصادي، ليس مجرد طرف متأثر بالأحداث، بل ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

وختاماً ..

إن الجمع بين التهدئة والدبلوماسية من جهة، والاستعداد لممارسة حق الدفاع الشرعي عند الضرورة من جهة أخرى، يجسد فلسفة سياسية متوازنة تحمي الاستقرار دون التفريط في السيادة. فالسلام ليس ضعفاً، كما أن القوة ليست بديلاً عن الحكمة.

حفظ الله دول الخليج وشعوبها من كل سوء، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعلها دائماً نموذجاً في تغليب منطق العقل والحوار، بعيداً عن صخب الصراعات وتقلبات المواجهات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى